مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٨١٢ - (٤) باب تأبينها (صلوات الله عليها) لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قولها يا أبتاه
فلمّا أفاقت من غشيتها قامت و هي تقول:
رفعت قوّتي، و خانني جلدي، و شمت بي عدوّي، و الكمد قاتلي.
يا أبتاه، بقيت والهة وحيدة، و حيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، و انقطع ظهري، و تنغّص عيشي، و تكدّر دهري،
فما أجد، يا أبتاه، بعدك أنيسا لوحشتي، و لا رادّا لدمعتي، و لا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، و مهبط جبرئيل، و محلّ ميكائيل.
انقلبت بعدك يا أبتاه، الأسباب، و تغلّقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية، و عليك ما تردّدت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، و لا حزني عليك؛
ثمّ نادت: يا أبتاه، وا لبّاه- إلى أن قال-:
ثمّ نادت: يا أبتاه، انقطعت بك الدنيا بأنوارها، و زوت زهرتها، و كانت ببهجتك زاهرة، فقد اسودّ نهارها، فصار يحكي حنادسها [١] رطبها و يابسها.
يا أبتاه، لا زلت آسفة عليك إلى التلاق.
يا أبتاه، زال غمضي منذ حقّ الفراق.
يا أبتاه، من للأرامل و المساكين، و من للأمّة إلى يوم الدين.
يا أبتاه، أمسينا بعدك من المستضعفين.
يا أبتاه، أصبحت الناس عنّا معرضين، و لقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل، و أيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل؛
و أيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل، و أنت ربيع الدين، و نور النبيّين؟
فكيف للجبال لا تمور، و للبحار بعدك لا تغور، و الأرض كيف لم تتزلزل؟
رميت يا أبتاه، بالخطب الجليل، و لم تكن الرزيّة بالقليل، و طرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، و بالفادح المهول، بكتك يا أبتاه الأملاك، و وقفت الأفلاك؛
فمنبرك بعدك مستوحش، و محرابك خال من مناجاتك، و قبرك فرح بمواراتك، و الجنّة مشتاقة إليك و إلى دعائك و صلاتك.
[١] ليلة ظلماء حندس: تقدّم معناها: ٧٩٣.