مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٠١ - استدراك (٤) باب رسالة من ابن الخطّاب إلى معاوية و ما فيها من الدواهي و المصائب
فبهبل اقسم و الأصنام و الأوثان و اللّات و العزّى، ما جحدها عمر مذ عبدها.
و لا عبد للكعبة ربّا، و لا صدّق لمحمّد قولا، و لا ألقى السلام إلّا للحيلة عليه، و إيقاع البطش به، فإنّه قد أتانا بسحر عظيم، و زاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى و هارون و داود و سليمان و ابن امّه عيسى، و لقد أتانا بكلّ ما أتوا به من السحر؛ و زاد عليهم ما لو أنّهم شهدوه لأقرّوا له بأنّه سيّد السحرة. [١]
[١] لا غرابة في صدور هذه التعبيرات عنه، لأنّه قد أثر من الرجل ما هو أشدّ و أغلظ من ذلك في حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و لنذكر ما استطرفناه من كتاب الوصيّة من كتاب «تذكرة الفقهاء» ٢/ ٤٦٩- ٤٧٠ في ذلك.
قال العلّامة الحليّ (ره): مسألة: «لو أوصى لا عقل الناس في البلد ... و لو قال لأجهل الناس؛
قال بعض الشافعيّة: يصرف إلى من يسبّ الصحابة ...» ثمّ قال بعد تفنيد قولهم: و كان عمر بن الخطّاب عندهم ثاني الخلفاء ... قد سبّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في مرضه الّذي توفّي فيه، حيث قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم):
ايتوني بدواة و كتف، لأكتب فيه كتابا لن تضلّوا بعده أبدا.
فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر، حسبنا كتاب اللّه. فأعرض النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مغضبا ...
و قال يوما: إنّ رسول اللّه شجرة نبتت في كبا- أي في مزبلة-، و عنى بذلك رذالة أهله، فسمعه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك فاشتدّ غيظه، ثمّ نادى: الصلاة جامعة فحضر المسلمون بأسرهم، فصعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المنبر، ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه و قال: يا أيّها الناس! ليقم كلّ منكم ينتسب إلى أبيه حتّى أعرف نسبه. فقام إليه شخص من الجماعة و قال: يا رسول اللّه، أنا فلان بن فلان بن فلان ... فقال صدقت؛
ثمّ قام آخر فقال: يا رسول اللّه، أنا فلان بن فلان، فقال: لست لفلان و إنّما أنت لفلان و انتحلك فلان بن فلان، فقعد خجلا، ثمّ لم يقم أحد، فأمرهم بالقيام و الانتساب مرّة و اثنتين، فلم يقم أحد؛
فقال: أين السابّ لأهل بيتي؟ ليقم إليّ و ينتسب إلى أبيه.
فقام عمر و قال: يا رسول اللّه، اعف عنّا عفى اللّه عنك، اغفر لنا غفر اللّه لك، احلم عنّا حلم اللّه عنك.
أقول: خبر الدواة مشهور مستفيض من الطريقين، اورد مصادره هنا لزيادة البصيرة، فراجع:
صحيح البخاري: ١/ ٣٩، باب كتابة العلم، و ج ٤/ ٨٥، باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة، و ص ١٢١، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، و ج ٦/ ١١، باب كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى كسرى و قيصر، و ج ٧/ ١٥٦، باب قول المريض: قوموا عنّي، و ج ٩/ ١٣٧، باب كراهيّة الخلاف.
و صحيح مسلم: ٥/ ٧٥، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء. و مسند أحمد: ٣/ ٣٤٦ و غيرها.
و قد جاءت الرواية بعبارات شتّى: «فقالوا: هجر رسول اللّه ...» «و ماله أهجر ...» «و ما شأنه أهجر ...» فيعلم من ذلك كلّه أنّ نسبة الهجر إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ثابتة، إلّا أنّهم بدّلوا، أو أضافوا كلمة «الوجع» تهذيبا للعبارة و وقاية لشأن الخليفة، و لكن هيهات! و ما يصلح العطّار ما أفسد الدهر.