مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٠٠ - استدراك (٤) باب رسالة من ابن الخطّاب إلى معاوية و ما فيها من الدواهي و المصائب
و اضطرب الشام بمن فيه، و ورد دمشق، و أتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل اذن يزيد عليه، فأخبره بوروده، و يده على أمّ رأسه، و الناس يهرعون إليه قدّامه و وراءه، فقال يزيد: فورة من فورات أبي محمّد، و عن قليل يفيق منها.
فأذن له وحده، فدخل صارخا، يقول: لا أدخل يا أمير المؤمنين، و قد فعلت بأهل بيت محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما لو تمكّنت الترك و الروم ما استحلّوا ما استحللت، و لا فعلوا ما فعلت، قم عن هذا البساط حتّى يختار المسلمون من هو أحقّ به منك.
فرحّب به يزيد، و تطاول له، و ضمّه إليه، و قال له: يا أبا محمّد، اسكن من فورتك، و اعقل، و انظر بعينك، و اسمع باذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطّاب؟
أ كان هاديا مهديا، خليفة رسول اللّه، و ناصره، و مصاهره باختك حفصة، و الّذي قال: لا يعبد اللّه سرّا؟ فقال عبد اللّه: هو كما وصفت، فأيّ شيء تقول فيه؟
قال: أبوك قلّد أبي أمر الشام، أم أبي قلّد أباك خلافة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)؟
فقال: أبي قلّد أباك الشام. قال: يا أبا محمّد، أ فترضى به و بعهده إلى أبي، أو ما ترضاه؟ قال: بل أرضى، قال: أ فترضى بأبيك؟ قال: نعم.
فضرب يزيد بيده على يد عبد اللّه بن عمر، و قال له: قم يا أبا محمّد، حتّى تقرأه.
فقام معه حتّى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها، و دعا بصندوق، ففتحه و استخرج منه تابوتا مقفّلا مختوما، فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده و نشره، ثمّ قال: يا أبا محمّد، هذا خطّ أبيك، قال: إي- و اللّه-؛
فأخذه من يده فقبّله، فقال له: اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه:
إنّ الّذي أكرهنا بالسيف على الإقرار به، فأقررنا و الصدور و غرة [١] و الأنفس واجفة [٢]، و النيّات و البصائر شائكة [٣] ممّا كانت عليه من جحدنا ما دعانا إليه، و أطعناه فيه، رفعا لسيوفه عنّا، و تكاثره بالحيّ علينا من اليمن، و تعاضد من سمع به ممّن ترك دينه و ما كان عليه آباؤه في قريش.
[١] وغر صدره على فلان: توقّد عليه من الغيظ.
[٢] مضطربة.
[٣] من الشوك، أي: كانت البصائر و النيّات غير خالصة ممّا يختلج بالبال من الشكوك و الشبهات. منه (ره)