مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ١١٣١ - (١٤) باب معاناة محبّيها لموالاتها، و ذكر مصيبتها (عليها السّلام)
و هو يأكل فقال: يا بشّار، ادن فكل.
فقلت: هنّاك اللّه و جعلني فداك، قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي! أوجع قلبي، و بلغ منّي، فقال لي: بحقّي عليك لمّا دنوت فأكلت؛
قال: فدنوت فأكلت، فقال لي: حديثك؟
قلت: رأيت جلوازا [١] يضرب رأس امرأة، و يسوقها إلى الحبس و هي تنادي بأعلى صوتها: المستغاث باللّه و رسوله، و لا يغيثها أحد.
قال: و لم فعل بها ذلك؟ قال: سمعت الناس يقولون: إنّها عثرت، فقالت:
«لعن اللّه ظالميك يا فاطمة»، فارتكب منها ما ارتكب.
قال: فقطع الأكل و لم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله و لحيته و صدره بالدموع [٢]؛
ثمّ قال: يا بشّار، قم بنا إلى مسجد السهلة، فندعو اللّه عزّ و جلّ و نسأله خلاص هذه المرأة؛
قال: و وجّه بعض الشيعة إلى باب السلطان، و تقدّم إليه بأن لا يبرح إلى أن يأتيه رسوله، فإن حدث بالمرأة حدث صار إلينا حيث كنّا.
قال: فصرنا إلى مسجد السهلة، و صلّى كلّ واحد منّا ركعتين، ثمّ رفع الصادق (عليه السّلام) يده إلى السماء و قال: أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت- إلى آخر الدعاء- قال: فخرّ ساجدا لا أسمع منه إلّا النفس ثمّ رفع رأسه فقال: قم فقد اطلقت المرأة.
قال: فخرجنا جميعا، فبينما نحن في بعض الطريق إذ لحق بنا الرجل الّذي وجّهناه إلى باب السلطان، فقال له (عليه السّلام): ما الخبر؟ قال: قد اطلق عنها.
[١] الجلواز: الشرطي الّذي يحفّ في الذهاب و المجيء بين يدي الأمير، جمعه جلاوزة.
[٢] قال الشيخ عبّاس القمّي في كتابه بيت الأحزان ص ١١٨:
فإذا كان حال الصادق (عليه السّلام) كذلك عند استماع واقعة جرت على امرأة من شيعة فاطمة (عليها السّلام)؛
فكيف يكون حاله (عليه السّلام) إذا حكى ما هو جرى على امّه فاطمة (عليها السّلام)؟ و يقول: ثمّ لطمها فكأنّي أنظر إلى قرط في اذنها حين نقب- أي كسر- من اللطم؛
و ممّا ذكرنا ظهر شدّة مصيبة أمير المؤمنين (عليه السّلام) و عظم صبره ... راجع بقيّة كلامه (رحمه اللّه)، و اغتنم.