مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٧٩ - (٥) باب خطبة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) في مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)
من بعد عهدهم، و همّوا بإخراج الرسول [١]، و هم بدءوكم أوّل مرّة، أ تخشونهم فاللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين؛
ألا و قد أرى [٢] أن قد أخلدتم [٣] إلى الخفض [٤]، و أبعدتم من هو أحقّ بالبسط و القبض [٥]، و خلوتم [٦] بالدعة [٧]، و نجوتم بالضيق من السعة، فمججتم [٨] ما وعيتم [٩] و دسعتم [١٠] الّذي تسوّغتم [١١]؛
إِنْ تَكْفُرُوا [١٢] أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ؛
[١] و المراد بقصدهم إخراج الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عزمهم على إخراج من هو كنفس الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قائم مقامه بأمر اللّه و أمره عن مقام الخلافة و على إبطال أوامره و وصاياه في أهل بيته النازل منزلة إخراجه من مستقرّه و حينئذ يكون من قبيل الاقتباس، و في بعض الروايات: لقوم نكثوا أيمانهم و همّوا بإخراج الرسول و هم بدءوكم أوّل مرّة أ تخشونهم، فقوله: «لقوم» متعلّق بقوله: «تخشونهم»؛
[٢] الرؤية هنا بمعنى العلم أو النظر بالعين؛
[٣] و أخلد إليه: ركن و مال؛
[٤] الخفض- بالفتح-: سعة العيش؛
[٥] و المراد بمن هو أحقّ بالبسط و القبض أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و صيغة التفضيل مثلها في قوله تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ [الفرقان: ١٥]؛
[٦] خلوت بالشيء، انفردت به و اجتمعت معه في خلوة؛
[٧] الدعة: الراحة و السكون؛
[٨] مجّ الشراب من فيه: رمى؛
[٩] وعيتم: أي حفظتم؛
[١٠] الدسع: كالمنع: الدفع و القيء، و إخراج البعير جرّته إلى فيه؛
[١١] ساغ الشراب يسوغ سوغا، إذا سهل مدخله في الحلق و تسوّغه شربه بسهولة. منه (ره).
[١٢] و صيغة تكفروا في كلامها (عليها السّلام)، إمّا من الكفران و ترك الشكر كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد حيث قال تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: ٧، ٨].
أو من الكفر بالمعنى الأخص و التغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس مع أنّ في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى، و المراد إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا من الثقلين، فلا يضرّ ذلك إلّا أنفسكم، فإنّه سبحانه غنيّ عن شكركم و طاعتكم، مستحقّ للحمد في ذاته أو محمود تحمده الملائكة، بل جميع الموجودات بلسان الحال، فضرر الكفران عائد إليكم حيث حرمتم من فضله تعالى و مزيد إنعامه و إكرامه و الحاصل أنّكم إنّما تركتم الإمام بالحقّ و خلعتم بيعته من رقابكم و رضيتم ببيعة أبي بكر لعلمكم بأنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لا يتهاون و لا يداهن في دين اللّه، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و يأمركم بارتكاب الشدائد