مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٧٥ - (٥) باب خطبة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) في مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)
و يمكن أن يكون معنى الكلام: أ تقولون مات محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و بعد موته ليس لنا زاجر و لا مانع عمّا نريد، و لا نخاف أحدا في ترك الانقياد للأوامر، و عدم الانزجار عن النواهي؟
و يكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله تعالى: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ الآية، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان اللّه سبحانه و إخباره بموت الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مدخل في الجواب إلّا بتكلّف؛
و يحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كما أفصح عنه عمر بن الخطّاب. و سيأتي في مطاعنه، فبعد تحقّق موته عرض لهم شكّ في الإيمان، و وهن في الأعمال، فلذلك خذلوها و قعدوا عن نصرتها و حينئذ مدخلية حديث الإعلان و ما بعده في الجواب واضح؛
و على التقادير لا يكون قولها (صلوات الله عليها) فخطب جليل داخلا في الجواب، و لا مقولا لقول المخاطبين على الاستفهام التوبيخي، بل هو كلام مستأنف لبثّ الحزن و الشكوى؛
بل يكون الجواب ما بعد قولها: فتلك و اللّه النازلة الكبرى؛
و يحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم: أنّ موته (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الّذي هو أعظم الدواهي، قد وقع فلا يبالي بما وقع بعده من المحذورات، فلذلك لم ينهضوا بنصرها و الانتصاف ممّن ظلمها، و لمّا تضمّن ما زعموه كون مماته (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أعظم المصائب، سلّمت (عليها السّلام) أوّلا في مقام الجواب تلك المقدّمة، لكونها محض الحقّ، ثمّ نبّهت على خطأهم في أنّها مستلزمة لقلّة المبالاة بما وقع، و القعود عن نصرة الحقّ، و عدم اتّباع أوامره (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بقولها، اعلن بها كتاب اللّه إلى آخر الكلام فيكون حاصل الجواب أنّ اللّه قد أعلمكم بها قبل الوقوع و أخبركم بأنّها سنّة ماضية في السلف من أنبيائه، و حذّركم الانقلاب على أعقابكم كيلا تتركوا العمل بلوازم الإيمان بعد وقوعها، و لا تهنوا عن نصرة الحقّ و قمع الباطل، و في تسليمها ما سلّمته أوّلا دلالة على أنّ كونها أعظم المصائب ممّا يؤيّد وجوب نصرتي، فإنّي أنا المصاب بها حقيقة و إن شاركني فيها غيري، فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحقّ و أحرى.
و يحتمل أن يكون قولها (عليها السّلام) فخطب جليل من أجزاء الجواب فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة أو المركّب من بعضها مع بعض؛
و حاصل الجواب حينئذ أنّه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى، و قد كان اللّه عزّ و جلّ أخبركم بها، و أمركم أن لا ترتدّوا بعدها على أعقابكم، فكان الواجب عليكم دفع الضيم عنّي و القيام بنصرتي، و لعلّ الأنسب بهذا الوجه ما في رواية ابن أبي طاهر، من قولها: و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه بالواو دون الفاء و يحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها و للاخرى اخرى، و يكون كلّ مقدّمة من مقدّمات الجواب إشارة إلى دفع واحدة منها
أقول: و يحتمل أن لا تكون هناك شبهة حقيقة، بل يكون الغرض أنّه ليس لهم في ارتكاب تلك الامور الشنيعة حجّة و متمسّك إلّا أن يتمسّك أحد بأمثال تلك الامور الباطلة الواهية الّتي لا يخفى على أحد بطلانها، و هذا شائع في الاحتجاج. منه (ره).