مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٤٤ - (٣) باب انطلاق فاطمة بأمر عليّ (عليهم السّلام) إلى أبي بكر لإعادة حقّها في فدك، و احتجاجها
خالفوا فيه؛
روي أنّ فاطمة (عليها السّلام) لمّا طلبت الميراث و منعوها منه، احتجّوا بقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة» فعند هذا احتجّت فاطمة (عليها السّلام) بعموم قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [مريم: ٦]
و كأنّها أشارت إلى أنّ عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر واحد.
ثمّ إنّ الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر واحد إلّا أنّه غير جائز هاهنا، و بيانه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه على خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريّا (عليه السّلام): يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
و قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: ١٦] قالوا: و لا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم و الدين لأنّ ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة، بل يكون كسبا جديدا مبتدأ، إنّما التوريث لا يتحقّق إلّا في المال على سبيل الحقيقة.
و ثانيها: أنّ المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلّا فاطمة و عليّ و العبّاس، و هؤلاء كانوا من أكابر الزهّاد و العلماء و أهل الدين، و أمّا أبو بكر فإنّه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتّة، لأنّه ما كان ممّن يخطر بباله أنّه يرث من الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، فكيف يليق بالرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أن يبلّغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها و لا يبلّغها إلى من له إلى معرفتها أشدّ الحاجة؟.
و ثالثها: يحتمل أنّ قوله «ما تركناه صدقة» صلة «لا نورّث» و التقدير: أنّ الشيء الّذي تركناه صدقة، فذلك الشيء لا يورّث، فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصيّة في ذلك.
قلنا: بل تبقى الخاصيّة لاحتمال أنّ الأنبياء إذا عزموا على التصدّق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم و لا يرثه وارث عنهم، و هذا المعنى مفقود في حقّ غيرهم.
قال العلّامة الحلّي (رحمه اللّه): إنّ أبا بكر منع فاطمة (عليها السّلام) إرثها، فقالت:
يا بن أبي قحافة، أ ترث أباك و لا أرث أبي!! و احتجّ عليها برواية تفرّد هو بها عن جميع المسلمين، مع قلّة رواياته و قلّة علمه، و كونه الغريم لأنّ الصدقة تحلّ عليه.
فقال لها: إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»، و القرآن مخالف لذلك فإنّ صريحه يقتضي دخول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فيه بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١].
و قد نصّ على أنّ الأنبياء يورّثون، فقال تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: ١٦].
و قال عن زكريّا: إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم: ٦] و ناقض فعله أيضا هذه الرواية، لأنّ أمير المؤمنين و العبّاس، اختلفا في بغلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و سيفه و عمامته، و حكم بها ميراثا لأمير المؤمنين (عليه السّلام)، و لو كانت صدقة لما حلّت على عليّ (عليه السّلام)، و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، و لكان أهل البيت (عليهم السّلام) الّذين حكى اللّه تعالى عنهم بأنّه طهّرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز، نعوذ باللّه من هذه المقالات الرديّة و الاعتقادات الفاسدة.