مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٣٩ - (٣) باب انطلاق فاطمة بأمر عليّ (عليهم السّلام) إلى أبي بكر لإعادة حقّها في فدك، و احتجاجها
ظاهر القرآن أولى بالحقّ ممّا خالفه.
فإن قالوا: هذا لا يصحّ، و ذلك لأنّ كلّ شيء تركه الخلق بأجمعهم صدقة، و كان من صدقاتهم لم يورّث و لم يصحّ ميراثه، فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء (عليهم السّلام) بذكره فائدة معقولة.
قيل لهم: ليس الأمر كما ذكرتم، و ذلك أنّ الشيء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق بأنّهم أولى الناس بالعمل بمعناه، و ألزم الخلق له، و إن كان دينا لمن سواهم من المكلّفين، قال اللّه عزّ و جلّ:
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: ٤٥] و إن كان منذرا لجميع العقلاء.
و قال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ [التوبة: ١٨]
و إن كان قد يعمرها الكفّار و من هو بخلاف هذه الصفة.
و قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] و إن كان في الكفّار من إذا ذكر اللّه و جل قلبه و خاف، و في المؤمنين من يسمع ذكر اللّه و هو مسرور بنعم اللّه، أو مشغول بضرب من المباح، فلا يلحقه في الحال وجل و لا يعتريه خوف، و هذا محسوس معروف بالعادات؛
و هو كقول القائل: نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر، و إن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات، و في المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات.
و كقول فقيه من الفقهاء: نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين، و قد ترى ذلك جماعة ممّن ليس من الفقهاء.
و كقول القائل: نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين، و قد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القرّاء من العدول و الفاسقين، و أمثال هذا في القول المعتاد كثير، و إنّما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه، و التقدّم فيه، و أنّهم قدوة لمن سواهم، و أئمّتهم في العمل نحو ما ذكرناه.
و وجه آخر: و هو أنّه يحتمل أن يكون قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- إن صحّ عنه- أنّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة لا يورّث» أي لا يستحقّه أحد من أولادنا و أقربائنا و إن صاروا إلى حال الفقراء الّتي من صار إليها من غيرهم حلّت لهم صدقات أهليهم، لأنّ اللّه تعالى حرّم الصدقة على أولاد الأنبياء و أقاربهم تعظيما لهم و رفعا لأقدارهم عن الأدناس، و ليس ذلك في من سواهم من الناس؛
لأنّ غير الأنبياء (عليهم السّلام) إذا تركوا صدقات و وقوفا و وصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم و أقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الأباعد.
فمنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذرّيّته و أهل بيته من نيل ما تركه من صدقاته و إن افتقروا و خرجوا من حال الغنى، و كان المعنى في قوله: «لا نورّث» أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال، و هذا معروف في انتقال الأشياء من الأموات إلى الأحياء، و الوصف له بأنّه ميراث و إن لم يوجد من جهة الإرث، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ [الأحزاب: ٢٧].
فصل: و قد تعلّق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر، فقال: