الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٢٣ - الإشکال الثامن
باعتبار المقتضي كالخيار المشكوك فيه بعد الزمان الأوّل باعتبار شبهة الفوريّة. و ربّ مقام يترجّح فيه احتمال البقاء. و ربّ مقام ينعكس فيه الأمر؛ كما لو غبنا عن زيد بعد ما عرض له مرض يغلب البرء منه أو الهلاك فيه؛ فلو شككنا في بقائه و عدمه يترجّح البقاء في الأوّل و عدمه في الثاني.
و أمّا البرهان المدّعى من جهة بناء العقلاء، ففيه: أنّ استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة في الأمثلة المتقدّمة و نظائرها و أنّه لا بدّ له من موجب لئلّا يلزم الترجيح من غير مرجّح و إن كان مسلّماً و لا يمكن إنكاره و لكنّ الموجب له على ما نشاهده في الأمثلة المذكورة إنّما هو العلوم العاديّة الموجودة فيها؛ فمعتمدهم على العلم العاديّ بالبقاء لا غير. و أمّا استقراء (١) بنائهم على العمل على طبقها و لو مع انتفاء العلم العاديّ أو كون الموجب له فيما استقرّ بناؤهم عليه هو الظنّ بالبقاء، محلّ منع.
و مع الغضّ عن جميع ذلك و تسليم الظنّ في موارد بناء العقلاء و كونه المعوّل عليه عندهم، يتطرّق المنع إلى كبرى القياس الثاني. و محصّله منع حجّيّة الظنون الاستصحابيّة و وجوب العمل بها؛ لكون دليله- من بناء العقلاء و لزوم ترجيح المرجوح- مدخولاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ القدر المعلوم من بناء العقلاء إنّما هو في الأمور العرفيّة و الأحكام المتعلّقة بأمور المعاش و هو لا يكشف عن تقرير المعصوم و لا يجدي نفعاً في حجّيّة الظنّ الاستصحابيّ في الأحكام الشرعيّة و لا في موضوعاتها، إلّا أن يستقرّ بناؤهم فيها أيضاً و هو غير معلوم، بل المعلوم خلافه؛ لما نشاهده فيها من تحيّرهم عند الشكّ في بقاء حالة سابقة منها؛ كمن شكّ في الحدث بعد تيقّن الطهارة أو في الطهارة بعد تيقّن الحدث.
و أمّا الثاني: فلجواز الرجوع بعد فرض عدم ارتفاع التكليف في موارد الاستصحاب و عدم وجود الطرق الاجتهاديّة الناظرة إلى الواقع إلى الطرق الشرعيّة المتكفّلة لبيان الأحكام الظاهريّة المجعولة للمتحيّر؛ كأصلي البراءة و الاشتغال و أصالة التخيير كلّ في مجراه. و
------------------
(١) . الصحِیح: استقرار.