الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥١٨ - الإشکال الثالث
غريبة (١).
الإشکال الثالث
إنّ التعليل المذكور في المقدّمة الأولى إن حمل على ظاهره من أنّ ما يمكن وجوده في وقت فلا بدّ أن يكون وجوده ممكناً في سائر الأوقات، فهو في محلّ المنع. أ لا ترى أنّ أجزاء الزمان من الممكنات، مع أنّها ممّا لا يمكن وجودها سابقاً على نفسها و لا لاحقاً عنها؛ لامتناع تقدّم الشيء على نفسه أو تأخّره عنها، فقد خرجت عن الامتناع إلى الإمكان و منه إلى الامتناع.
و كذا الحال في الزمانيّات إذا أخذت من حيث تقيّدها بأزمنتها الخاصّة، فإنّ الطهارة الحاصلة في الأمس من حيث كونها حاصلةً فيه و مقيّدةً به ممّا يمتنع حصوله في اليوم. و إن أريد أنّ ما يحكم عليه بالإمكان في مرتبة ذاته، فهو ممكن في مرتبة ذاته دائماً و إن امتنع بالقياس إلى بعض العوارض؛ لأنّه امتناع غيري، فلا ينافي الإمكان الذاتي، أو أنّ ما يمكن في وقت مخصوص أو على كيفيّة مخصوصة، فهو ممكن في ذلك الوقت أو على تلك الكيفيّة دائماً بمعنى أنّه لا يحكم عليه مأخوذاً بتلك الخصوصيّة إلّا بالإمكان، فهو متّجه إلّا أنّ التعليل حينئذٍ لا ينهض بإثبات الدعوى؛ فالوجه أن يتمسّك عليها بلزوم خلاف الفرض على تقدير بطلانها؛ إذ الكلام في استصحاب ما يمكن بقاؤه في الوقت الثاني لا ما يمتنع فيه.
و لعلّ الذي حمل المستدلّ على التمسّك بالتعليل المذكور ما رآه من توقّف دليله على بيان إمكان بقاء وجود الممكن المستصحب عقلاً، ردّاً على من أحاله مطلقاً أو في خصوص الإعراض و قال بتجدّد الامتثال، نظراً إلى أنّه لا يجديه صدق البقاء عرفاً؛ لأنّ الدليل عقلي، فلا يمكن بناؤه على أمر عرفيّ و إن كان يجدي ذلك من تمسّك على حجّيّة الاستصحاب بالسمع. و على هذا فلا بدّ له من التمسّك بمستند آخر ينهض بإثبات
---------------
(١) . مناهج الأحکام و الأصول: ٢٣٢ (التلخِیص).