الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢١٤ - تمهید في تعریف الأصل و الأمارة لغةً و اصطلاحاً
الإشكال الثاني
قال المحقّق الخوئيّ رحمه الله: «للمناقشة فيه مجال واسع؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على حجّيّة الأمارات و إن كانت مطلقةً بحسب اللفظ، إلّا أنّها مقيّدة بالجهل بالواقع بحسب اللب. و ذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الإهمال بحسب مقام الثبوت غير معقول، فلا محالة تكون حجّيّة الأمارات إمّا مطلقةً بالنسبة إلى العالم و الجاهل، أو مقيّدة بالعالم، أو مختصّةً بالجاهل.
و لا مجال للالتزام بالأوّل و الثاني، فإنّه لا يعقل كون العمل بالأمارة واجباً على العالم بالواقع. و كيف يعقل أن يجب على العالم بوجوب شيء أن يعمل بالأمارة الدالّة على عدم الوجوب - مثلاً-، فبقي الوجه الأخير و هو كون العمل بالأمارة مختصّاً بالجاهل و هو المطلوب. فدليل الحجّيّة في مقام الإثبات و إن لم يكن مقيّداً بالجهل، إلّا أنّ الحجّيّة مقيّدة به بحسب اللبّ و مقام الثبوت؛ مضافاً إلى أنّه في مقام الإثبات أيضاً مقيّد به في لسان بعض الأدلّة، كقوله- تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (١) فقد استدلّ به على حجّيّة الخبر تارةً و على حجّيّة فتوى المفتي أخرى. و كلاهما من الأمارات و قيّد بعدم العلم بالواقع. فلا فرق بين الأمارات و الأصول من هذه الجهة؛ فما ذكروه- من أنّ الجهل بالواقع مورد للعمل بالأمارة و موضوع للعمل بالأصل- ممّا لا أساس له» (٢). و قال رحمه الله في موضع آخر: «إنّ الجهل بالواقع مأخوذ في موضوع الأمارات أيضاً» (٣).
ِیلاحظ علِیه: بالملاحظة السابقة؛ فإنّ المراد من أخذ الشكّ في الموضوع هو أنّ الشكّ موجود قبل جرِیان الأصل دائماً و بعد جرِیانه غالباً، بخلاف الأمارات؛ فإنّ الشكّ ِیزول بعد قِیام الأمارة غالباً، وجداناً أو تعبّداً؛ لکاشفِیّة الأمارة عن الواقع دون الأصل و إن کان في الاستصحاب نوع من الکاشفِیّة أِیضاً.
----------------------
(١) . النحل: ٤٣.
(٢) . مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات)٣: ١٥١- ١٥٢.
(٣) . مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات)٣: ٢٥٣.