الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٣٣ - الإشکال الثالث
أي الحكم في الآن الأوّل- إمّا أن يراد به علّة الحكم التي هي واسطة في ثبوته، كالتغيّر لنجاسة الماء و التيمّم لإباحة الدخول في الصلاة و وجوب المضيّ فيها، أو دليله الذي هو واسطة في إثباته و علّة للعلم به؛ كقوله علِیه السّلام : «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» (١). و قوله- تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (٢) مثلاً. و على التقديرين فالمقتضي له إمّا أن اقتضى ثبوته مقيّداً بالآن الأوّل، أو اقتضاه على وجه الدوام و الاستمرار، أو اقتضاه على وجه الإهمال، من دون تعرّض لتقييده بالآن الأوّل و لا دوامه و استمراره.
و الأوّل خروج عن محلّ الاستصحاب؛ إذ لم يقل أحد من القائلين بالاستصحاب به في نحوه؛ لانتفاء المقيّد بفوات قيده و ثبوت مثله في الآن الثاني يحتاج إلى مقتضٍ آخر و يستحيل استصحاب الحكم الأوّل إليه؛ فبقي الاحتمالان الأخيران. و الفرق بينهما أنّ الدليل على أوّلهما منطبق على الشكّ من جهة المانع و على ثانيهما منطبق عليه من جهة المقتضي.
و عبارة الدليل بقرينة قوله: «فلأنّ العارض [إنّما هو] احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم» و قوله: «فيبقى الحكم الثابت سليماً عن رافع» أظهر، بل ظاهر كالصريح في الأوّل. و عليه فنتكلّم على قوله: «فيجب الحكم بثبوته في الآن الثاني» فإمّا أن يراد بالحكم بثبوته المحكوم عليه بالوجوب القطع بثبوته أو الظنّ به، أو البناء عليه تعبّداً على معنى ترتيب آثار الثابت في الآن الثاني. و الأوّلان باطلان؛ إذ لا موجب للقطع و الظنّ بثبوته فيه مع احتمال تجدّد الرافع- أي حدوثه- بل حصول كلّ منهما مع هذا الاحتمال عند التحقيق محال. و لا يجدي فيه جعل احتمال تجدّده معارضاً باحتمال عدمه و كون كلّ منهما مدفوعاً بمقابله؛ لأنّ فرض التعارض بينهما و اندفاع كلّ بصاحبه ليس إلّا
------------------
(١) . وسائل الشِیعة١: ١٣٥، ح ٩. و جاء فِیه: جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ
بْنِ سَعِيدٍ [الحلّيّ] الْمُحَقِّقُ فِي الْمُعْتَبَرِ [١: ٤٤] قَالَ: قَال علِیه
السّلام .(هذه الرواِیة مرفوعة و ضعِیفة). أقول: في المعتبر لِیست
عبارة «إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ».
(٢) ( ٣) المائدة: ٦.