الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٢١ - الإشکال الثامن
قال الموسويّ القزوِینيّ رحمه الله: «ثالثها (١): أنّ الشيء الفلانيّ قد كان و لم يظنّ عدمه و كلّما هو كذلك، فهو مظنون البقاء، فينتج أنّ الشيء الفلانيّ مظنون البقاء، ثمّ يجعل ذلك صغرى لقياس آخر هكذا: أنّ الشيء الفلانيّ مظنون البقاء و كلّ مظنون البقاء يجب العمل عليه؛ فالشيء الفلانيّ يجب العمل عليه.
يمكن الاستدلال على كبرى القياس الأوّل- و هو حصول الظنّ بالبقاء فيما كان و لم يظنّ عدمه- بوجهين:
أحدهما: الوجدان و هو أنّا متى ما راجعنا أنفسنا وجدنا فرقاً بيّناً بين ما لو كان المشكوك مسبوقاً بالوجود و ما لو كان مسبوقاً بالعدم؛ كالزوجيّة المشكوكة إذا شكّ فيها الإنسان في امرأة تارةً في حدوثها و أخرى في بقائها، فإنّه يدرك بالوجدان فرقاً واضحاً بينهما. و ليس هذا الفرق إلّا باعتبار كون زوجيّة هذه المرأة في الأوّل مرجوحةً و في الثاني راجحةً. و هذا هو معنى رجحان بقاء الحالة السابقة وجوداً كان أو عدماً.
و ثانيهما: البرهان و هو أنّا نرى أنّ العقلاء قاطبةً في جميع الأعصار و الأمصار بناؤهم على الاتّكال إلى الحالة السابقة في كلّ شيء، كما يرشد إليه ما شاع بينهم من إرسال المراسيل و المكاتيب إلى البلاد النائية (٢) مع احتمال انهدامها و إرسال التحف و الهدايا و الودائع و الأمانات و أموال التجارات إلى النائين (٣) مع احتمال موتهم و عدم بقاء حياتهم، فبناؤهم هذا مع كونهم شاكّين إمّا أن يكون لمرجّح أو لا لمرجّح. و الثاني ترجيح بلا مرجّح، فلا يقدمون عليه. و على الأوّل، فالمرجّح إمّا طريق ناظر إلى الواقع و نفس الأمر، أو طريق ناظر إلى الظاهر، كالاحتياط الذي هو عبارة عن اختيار الفعل لرجاء أنّه صادف الواقع. و الثاني باطل؛ لأنّا كثيراً مّا نراهم يعتمدون على الحالة السابقة مع كونه خلاف الاحتياط؛ مثل أنّهم يرسلون أموالاً كثيرةً إلى البلاد النائية لعامليهم مع كونهم شاكّين
------------------
(١) . أدلّة حجِّیّة الاستصحاب.
(٢) . أي: البعِیدة.
(٣) . أي: المبعدون.