الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١٢ - تمهید في بیان مرتبة الاستصحاب
و إذا فحص المجتهد و لم تتمّ له إقامة الحجّة إلّا على جملة من الموارد و بقيت لديه موارد أخرِی يحتمل فيها ثبوت التكليف و يتعذّر فيها إقامة الحجّة- لأيّ سبب كان (١)- فإنّ المكلّف يقع في حالة من الشكّ تجعله في حيرة من أمر تكليفه.
و هل هناك حكم عقليّ يركن إليه المکلّف المجتهد و يطمئنّ بالرجوع إلى مقتضاه؟ أو أنّ الشارع قد راعى هذه الحالة للمكلّف، لعلمه بوقوعه فيها، فجعل له وظائف عمليّةً يرجع إليها عند الحاجة و يعمل بها؟
و مبحث الأصول العملِیّة وضع للجواب عن هذا، ليحصل للمكلّف اليقين بوظيفته التي يجب عليه أن يعمل بها عند الشكّ و الحيرة.
و هذه الوظيفة أو الوظائف هي التي تسمّى عند الأصوليّين ب «الأصل العمليّ» أو «القاعدة الأصوليّة» أو «الدليل الفقاهتي».
و قد اتّضح لدى الأصوليّين أنّ الوظيفة الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص ببابٍ دون بابٍ هي على أربعة أنواع: ١- أصالة البراءة. ٢- أصالة الاحتياط. ٣- أصالة التخيير. ٤- أصالة الاستصحاب.
فتحصّل ممّا ذکرنا: أنّ موضوع الأصول العملِیّة هو الشكّ بالحكم.
و اعلم أنّ الشكّ على نحوين:
الأوّل: أن تكون للمشكوك حالة سابقة و قد لاحظها الشارع، أي قد اعتبرها. و هذا هو مجرى «الاستصحاب» الذي نرِید البحث عنه في کتابنا هذا.
الثاني: ألّا تكون له حالة سابقة، أو كانت و لكن لم يلاحظها الشارع.
و هذه الحالة لا تخلو عن إحدى صور ثلاث:
الصورة الأولِی: أن يكون التكليف مجهولاً مطلقاً؛ أي لم يعلم حتّى بجنسه. و هذه مجرى «أصالة البراءة».
------------------
(١) . إنّ تعذّر إقامة الحجّة قد يحصل من جهة فقدان الدليل و قد يحصل من جهة إجمال
الدلِیل و قد يحصل من جهة تعارض الدليلين و تعادلهما من دون مرجّح لأحدهما
على الآخر.