مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٧٤ - (٥) باب خطبة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) في مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)
النازلة [١] الكبرى، و المصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، و لا بائقة [٢] عاجلة، أعلن بها كتاب اللّه جلّ ثناؤه في أفنيتكم [٣]، و في ممساكم و مصبحكم [٤]، يهتف في أفنيتكم هتافا [٥]، و صراخا [٦]، و تلاوة [٧]، و إلحانا [٨]؛
و لقبله ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله حكم فصل [٩]، و قضاء حتم [١٠]:
وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ [١١] مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [١٢] وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. [١٣]
[١] النازلة: الشديدة؛
[٢] و البائقة: الداهية؛
[٣] فناء الدار، ككساء: العرصة المتّسعة أمامها؛
[٤] الممسي و المصبح- بضمّ الميم فيهما- مصدران و موضعان من الإصباح و الإمساء؛
[٥] الهتاف- بالكسر-: الصياح؛
[٦] الصراخ: كغراب، الصوت أو الشديد منه؛
[٧] التلاوة- بالكسر-: القراءة؛
[٨] الإلحان: الإفهام، يقال: ألحنه القول أي أفهمه إيّاه، و يحتمل أن يكون من اللحن بمعنى الغناء و الطرب. قال الجوهري: اللحن واحد الألحان و اللحون، و منه الحديث: اقرءوا القرآن بلحون العرب، و قد لحن في قراءته: إذا طرب بها و غرّد، و هو ألحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء، انتهى.
و يمكن أن يقرأ على هذا بصيغة الجمع أيضا و الأوّل أظهر،
و في كشف الغمّة: فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في قبلتكم ممساكم و مصبحكم هتافا هتافا، و لقبلة ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله؛
[٩] الحكم الفصل: هو المقطوع به الّذي لا ريب فيه و لا مردّ له، و قد يكون بمعنى القاطع، الفارق بين الحقّ و الباطل؛
[١٠] الحتم في الأصل: إحكام الأمر، و القضاء الحتم: هو الّذي لا يتطرّق إليه التغيير؛
[١١] خلت: أي مضت؛
[١٢] الانقلاب على العقب: الرجوع القهقرى، اريد به الارتداد بعد الإيمان؛
[١٣] آل عمران: ١٤٤. الشاكرون: المطيعون المعترفون بالنعم، الحامدون عليها؛
قال بعض الأماثل: و اعلم أنّ الشبهة العارضة للمخاطبين بموت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إمّا عدم تحتّم العمل بأوامره و حفظ حرمته في أهله لغيبته، فإنّ العقول الضعيفة مجبولة على رعاية الحاضر أكثر من الغائب؛
و إنّه إذا غاب عن أبصارهم ذهب كلامه عن أسماعهم و وصاياه عن قلوبهم؛
فدفعها ما أشارت إليه (صلوات الله عليها) من إعلان اللّه جلّ ثناؤه و إخباره بوقوع تلك الواقعة الهائلة قبل وقوعها، و أنّ الموت ممّا قد نزل بالماضين من أنبياء اللّه و رسله (عليهم السّلام) تثبيتا للامّة على الإيمان، و إزالة لتلك الخصلة الذميمة عن نفوسهم.