مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٤٤ - *** الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
ثمّ قال: هل فيكم رجل يعرف المنافقين؟ فأمسك الناس.
فقال: أين حذيفة بن اليمان؟ قال حذيفة: و كنت في ضعف من علّة بي، و بيدي هراوة أتوكّأ عليها، فلمّا سمعت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يسأل عنّي لم أملك نفسي أن قلت: لبّيك يا رسول اللّه.
فقال لي: هل تعرف المنافقين؟ فقلت: ما المسئول بأعلم من السائل.
فقال لي: ادن منّي، فدنوت فقال لي: استقبل القبلة بوجهك، ففعلت فوضع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يمينه بين منكبي فوجدت برد أنامله على صدري و عرفت المنافقين بأسمائهم و أسماء آبائهم و امّهاتهم و ذهبت العلّة من جسدي، و رميت هراوتي من يدي.
فقال لي: انطلق و ائتني بالمنافقين رجلا رجلا؛
قال: فلم أزل أدعوهم و اخرجهم من بيوتهم و أجمعهم حول منزل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، حتّى جمعت مائة و اثنين و سبعين رجلا، ليس فيهم من يؤمن باللّه، و يقرّ بنبوّة رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم).
قال: فدعا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السّلام) و قال: احمل هذه الصحفة إلى القوم؛
قال عليّ (عليه السّلام): فأتيت لأحملها فلم أطق فاستعنت بأخي عقيل فلم نقدر، فتكامل معي أربعون رجلا فلم نقدر عليها و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قائم على باب الحجرة ينظر إلينا و يتبسّم؛
فلمّا رآنا و لا طاقة بنا عليها، قال: تباعدوا عنها فتباعدنا، فطرح ذيل بردته على عاتقه و وضع كفّه تحت الصحفة و حملها، و جعل يجري بها كما ينحدر سحاب في صبب [١]، و وضع الصحفة بين أيدي المنافقين، و كشف الغطاء عنها و الصحفة على حالها لم ينقص منها و لا وزن خردلة ببركته.
فلمّا نظر المنافقون إلى ذلك قال بعضهم لبعض، و الأصاغر للأكابر:
لا جزيتم عنّا خيرا أنتم صددتمونا عن الهدى بعد إذ جاءنا و تصدّونا عن دين محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و لا بيان أوثق ممّا رأينا، و لا شرع أوضح ممّا سمعنا، و أنكر الأكابر على الأصاغر؛
فقالوا لهم: لا تعجبوا من هذا فإنّ هذا قليل من سحر محمّد.
فلمّا سمع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مقالتهم حزن حزنا شديدا، و قال: كلوا لا أشبع اللّه بطونكم.
فكان الرجل منهم يلتقم اللقمة من الصحفة و يهوي بها إلى فيه فيلوكها لوكا شديدا يمينا
[١] الصبب: المنحدر.