بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٧ - ٢- التقريب الثاني، هو أن نفرض التنافي في كل منهما بنحو يماثل التنافي في الآخر
إذن ليس عليه إلّا عقاب واحد، و ليس للمولى أن يعاقبه على ألمين، لأنّ هذا المكلّف إنّما يقدر على دفع إحدى الخسارتين، غايته أنّه يقدر على دفعهما بدلا، فكذلك يكون عقابه بدلا، فيعاقب على واحدة.
هذا لو لوحظ عالم الأغراض و الملاكات بقطع النظر عن عالم الجعل و الإنشاء.
و من الواضح أنّ الجعل و الإنشاء لا يكثّر العهدة، و لا يكثّر العقاب، لأنّه لا يكثّر الملاكات و إنما هو ينجز التكاليف باعتباره معبرا عن الأغراض و الملاكات، و لهذا لم يكن هناك فرق في التعبير عن الأغراض، سواء عبّر عنها بالجمل الخبريّة، أو الإنشائيّة، بل تكاد تكون وظيفته كما قال الآخر:
إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنّما* * * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
هذا مع حفظ النسبة بين الموردين.
إذن لا معنى لأن يفرض زيادة في حجم العقاب من حيث أنّ المولى استعمل الإنشاء في مقام التعبير عن تلك الأغراض تارة، أو إنّه استعمل الإخبار للتعبير عنها تارة أخرى.
و عليه، فالصحيح أنّ هذا التفصيل ينتج، أنّه متى ما وجد فعلان متضادان ذاتا، كما في التزاحم، أو متضادّان عرضا، كما في فرضيّة المحقق الخراساني (قده)، فإن كان ترك الآخر قيدا في اتصاف الآخر بكونه ذا ملاك- كما سمّيناه في باب الترتّب، بقيد القدرة الشرعية- فإنّه حينئذ لو تركهما معا يعاقب بعقابين، و قد ارتكب معصيتين.
و أمّا إذا كان ترك الآخر أخذ قيدا للمزاحمة و المضادة، أي شرطا في وجود الملاك الآخر، فإنّه حينئذ يعاقب بعقاب واحد، لأنّ المكلف لم يفوّت على مولاه إلّا خسارة واحدة، رغم أنّهما من حيث الإنشاء على حدّ سواء.