بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٥ - الجهة الثانية هي أنه هل يستفاد من صيغة النهي الانحلال و تعدّد الحكم
نواهي الناس عن مفاسد انحلاليّة، و هذه الغلبة في نشوء مفاسد نواهي الناس، تكون قرينة تستوجب ظهور الكلام في الانحلالية، فيكون حجة، و حينئذ فإذا صدر مثل هذا الكلام، و هو النّهي من الشارع، نحكم بانحلاليته، لأنّ المولى لم يخترع لنفسه طريقة غير هذه الطريقة التي سار عليها عرف الناس، بل أمرهم على مثل ذلك.
و بذلك تثبت انحلالية النّهي إذا صدر من المولى، و ذلك بواسطة القرينة المذكورة، فيكون مفاد النّهي هو الانحلاليّة و الشموليّة، بينما يبقى مفاد الأمر على الأصل، و هو عدم الانحلاليّة في متعلقه، لعدم وجود مثل هذه القرينة فيه. و بذلك يندفع السؤال المتقدم.
و الخلاصة، هي: إنّنا نعرف ممّا تقدّم، لما ذا يبقى النهي بعد العصيان، و لا يبقى الأمر بعد العصيان أو الامتثال بل يسقط، و هذا بخلاف النهي، فإنّه حتى بعد صدور امتثاله، يبقى مفعول خطابه، فإنه إذا عصى و شرب الخمر في المرة الأولى، لا تسقط حرمة شرب الخمر في الساعة الثانية، بل يبقى خطاب، «لا تشرب الخمر» ساريا، و كذلك من امتثل، و لم يشرب الخمر مرة واحدة، فإنّه لا تسقط حرمة شرب الخمر بعدها، بل يبقى خطاب «لا تشرب الخمر» مستمرا.
و معنى هذا: إنّه يوجد خطابات متعددة بلا تشرب الخمر، و أحكام متعددة تنتظر امتثالها و عصيانها، بخلاف الأوامر، فأنّه حيث لا يوجد إلّا أمر واحد و تكليف واحد، لا يبقى عصيان بعد العصيان الأول للأمر، و لا امتثال بعد الامتثال الأول له.
فعدم التكليف و بقاؤه من حيث انحلاليّة الحكم في جانب النواهي، و عدمه في جانب الأوامر، هو لما عرفت.
و بذلك ظهر أن ما ذكره المحقق الخراساني (قده) [١] في «الكفاية»،
[١] كفاية الأصول: المشكيني- ج ١ ص ٢٣٣.