بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠١ - الجهة الأولى في مدلول الصيغة و مفادها
«افعل» عن أنه إنّما أتى بها بداعي البعث و التحريك، و تكشف في «لا تفعل» عن أنّه إنّما أتى بها بداعي الزجر و الردع. كل هذا صحيح في الكلمة الأولى، فإنّ كلتا الصيغتين، «افعل». و «لا تفعل» لهما دلالة تصوريّة و دلالة تصديقية و هما تختلفان في كلتا الدلالتين كما عرفت.
و الحجة على هذا الاختلاف، هو الوجدان الذي يقضي بأنّ ما يفهم من صيغة «افعل» يختلف عمّا يفهم من صيغة «لا تفعل» اختلافا ذاتيا، فهما مفهومان متغايران.
و ليس كما قيل، من أنّ التغاير و الاختلاف بينهما، إنّما هو بحسب متعلقهما، كما يدّعي قدماء الأصوليين ذلك. و هذا الوجدان له منبّهات تعزّزه نذكر أهمّها:
و هو: إنّ صيغة «افعل» و صيغة لا «تفعل»، إذا فسّرناهما على أساس أنّ مفادهما متغاير متباين حيث كان مفاد هيئة «افعل»، هو النسبة التحريكيّة و الإرساليّة بنحو المعنى الحرفي، و كان مفاد هيئة «لا تفعل» كذلك هو النسبة الزجرية و الرّدعيّة، إذن، حينئذ لا نحتاج إلى افتراض شيء وراء المعنى الحرفي للهيئة، و المعنى الاسمي للمادة، لاقتناص مفاد الأمر و النّهي، إذ حينئذ يكون مدلول هيئة «اشرب» هو النسبة التحريكية نحو الشرب، و مادته الشرب. و كذلك «لا تشرب»، يكون مفاد هيئته النسبة الزجرية عن مفاد المادة، أي: عن الشرب. و على هذا، لا نحتاج إلى ضمّ مفهوم آخر زيادة على المعنى الحرفي للهيئة، و الاسمي للمادة، فيصير مفاد «افعل» بلحاظ هيئته و مادته هو النسبة الإرساليّة نحو الشرب، و كذلك «لا تفعل»، يكون مفادها بلحاظ هيئتها و مادتها النسبة الزجريّة عن الكذب مثلا.
إذن، فالهيئة في كليهما تدل على النسبة.
و المادة فيهما أيضا تدل على طرف هذه النسبة و بذلك يتم ما أردنا.
لكن إذا أخذنا بما يقال عند القدماء من أن مفاد كلتا الصيغتين هو