بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٦٨ - *- التنبيه الثامن في تحقيق حل الإشكال بالنسبة للعبادات المكروهة
و بما أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الفعلية و الغالبة، لا للمصالح الاقتضائية المغلوبة، فيكون المترقب من المولى أن يجعل النّهي على نفس الكون في الحمّام، لا على الصلاة فيه، و هذا هو ما ذكرناه من كون ظاهر النّهي المولوي ناشئا عن مبادئ فعلية، لا اقتضائية مغلوبة و مندكة، و الوجه في ذلك، هو: إنّ المقتضي لجعل النّهي موجودا و المانع مفقودا، هو إمّا وجود المقتضي باعتبار أنّ ملاك النّهي موجود فيها، لو خلّي هذا الفعل و نفسه، و إمّا فقدان المانع، فلأنّ المانع المتصور في المقام هو أنّه إذا جعل نهي على طبق هذه المفسدة المغلوبة بأن نهى المولى عن الصلاة في الحمّام، للزم من ذلك تضييع المصلحة الغالبة الموجودة في هذه الصلاة حسب الفرض.
إلّا أنّ الصحيح: أنّ هذا المحذور لا يلزم، فيمكن أن يجعل المولى نهيا على هذه الصلاة مع عدم تضييع المصلحة الغالبة، و ذلك لأنّ الأمر بالصلاة تعلق بالجامع بين الصلاة في الحمّام و غيرها، و النّهي يجعل حسب الفرض، على خصوص الصلاة في الحمّام، و يمكن للمكلف عدم تضييع المصلحة، و اجتناب المفسدة المغلوبة، و ذلك بالصلاة خارج الحمّام.
و لا شك أنّ تحصيل المصلحة مع اجتناب المفسدة المغلوبة، أحسن عند المولى من تحصيل المصلحة مع المفسدة المغلوبة الناشئة من الصلاة في الحمّام، فيجعل المولى نهيا عن الصلاة في الحمّام، لتحصيل المصلحة، مع اجتناب المفسدة المغلوبة.
و بهذا يرتفع الإشكال، لأنّ مبادئ الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة، فعليّة، إلّا أنّ مبادئ النّهي المتعلق بالصلاة في الحمّام، ليست فعلية، لأنّها مغلوبة كما عرفت، و إذا اختلفت المبادئ من هذه الجهة، لا يبقى تضاد بين الحكمين، فهذا تصرف في ظهور النّهي الثالث، أعني: كونه ظاهرا في أنّه ناشئ من مبادئ فعلية، و حمله على أنّه ناشئ من مبادئ اقتضائيّة مغلوبة، و بهذا يرتفع الإشكال.