بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٢ - الجهة الثانية هي إنّه ما هو التكليف؟
و أمّا القسم الثاني و هو: ما إذا كان الواجبان مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، أي: بمعنى عدم وجود مانع من قبل المولى، أو عدم وجود أمر بالخلاف، فهنا إن فرض أنّ الدليل الذي شرط كل واحد بعدم المانع، أراد عدم المانع لو لا هذا الخطاب، و بالنسبة له، حينئذ يكون كل من الخطابين غير تام الموضوع بالنسبة الى الآخر، فلا موضوع هذا الخطاب تام، و لا موضوع ذاك الخطاب تام، إلّا إذا قام إجماع من الخارج على تماميّة أحدهما، فنحكم بالتخيير، و إلّا فلا.
و أما إذا فرض أنّ مفاد الدليل هو عدم المانع بالفعل، ففي المقام يكون كل من الخطابين فعليّته دوريّة، لأنّ فعليّة كل منهما فرع عدم فعليّة الآخر، و عدم فعليّة الآخر فرع فعليّة الآخر، و بهذا ينتج توقف الشيء على نفسه إذن فلا يعقل مثل هذين الجعلين، فيدخلان في باب التعارض.
و إن شئت قلت: إنّ الصحيح في عالم الثبوت، فيما إذا فرضنا أنّ القدرة عقلية، بمعنى أنّها غير دخيلة في الملاك، أو إنّ الدخيل في الملاك هو القدرة الشرعية بالمعنى الأول.
و عليه، يكون ملاك التكليفين معا فعليا، إلّا أنّ المكلّف عاجز عن استيفائهما.
و حينئذ كما يمكن للمولى أن يجعل خطابين تعيينيّين لكل من الواجبين مشروطا بترك الآخر- كما في التخيير العقلى- فإنّه كذلك يمكنه أن يجعل خطابا واحدا بالجامع بينهما- كما في التخيير الشرعي، و لا يكون الفرق بينهما إلّا مجرد كيفيّة صياغة التشريع.
و ما قيل من تعدد العقاب على التارك لهما معا، فيما إذا كان التخيير عقليا، و وحدة العقاب فيما إذا كان التخيير شرعيا، غير تام على هذا التقدير، لأنّ كون التخيير عقليا، و إن كان يستلزم فعليّة الخطابين معا على التارك لهما، إلّا أنّه لا يستلزم تعدد العقاب عليه لما ذكرناه في أبحاث