بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣٩ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
و عليه: ففي هذا الفرض، يستحيل أن ينقدح داعي النّهي في نفس العبد نحو هذا الفعل، و إذا لم يوجد مثل هذا الداعي، فيقع الفعل باطلا، و بذلك يتم هذا الملاك.
و بتعبير آخر، يقال: إنّه له افترضنا قيام المصلحة بخصوص الحصة المنهي عنها، فإنّه يستحيل قصد التقرب بها حينئذ، بمعنى أنّه لا يمكن أن يكون في نفس العبد داع إلهي، لأنّ هذا الداعي الإلهي، إن دعاه إلى الجامع بين هذه الحصة و بين الحصص الأخرى المباحة، فهو غير معقول، لأنّ المصلحة غير قائمة بالجامع، و إنّما هي قائمة بخصوص الحصة.
و إن دعاه إلى إيجاد خصوص هذه الحصة، فهو أيضا غير معقول، لأنّ ترك الحصة أحسن عند المولى من فعلها، فكيف يمكنه أن يأتي بها بقصد التقرب منه تعالى، إذن فثبت أنّه لا يعقل أن يقع الفعل عباديا، إذن فهذا الملاك الخامس يتم في هذه الفرضية.
و أمّا لو فرض أنّ المصلحة كانت قائمة بالجامع بين الحصة المحرمة، و الحصة المباحة، أي: إنّها قائمة في الجامع بين الصلاة في الحمّام، و الصلاة خارجه، فإنّه في مثله، يعقل انقداح الداعي الإلهي في نفس العبد نحو هذا الجامع، و ذلك لوجود المقتضي، و عدم المانع، أمّا المقتضي، فهو قيام الملاك فيه، و أمّا عدم المانع، فلأنّ المفروض أنّ حال المولى مع هذا الجامع، أحسن من حاله مع عدمه.
نعم حال المولى مع الحصة المحلّلة منه، أحسن من حاله مع الحصة المحرمة منه، لكن المفروض إنّ الحصة المحلّلة ليست مركزا للملاك، و إنّما المركز، هو الجامع، و حال المولى معه، أفضل من حاله مع تركه مطلقا، و عليه فهناك مجال لانقداح الداعي في نفس العبد نحو هذا الجامع، و حينئذ فإن انقدح في نفسه داع إلهي آخر نحو الحصة المحلّلة منه، فيكون قد امتثل الأمر و النّهي، و أمّا إذا لم ينقدح داع إلهي آخر عنده نحو الحصة المحلّلة، بل انقدح عنده داع شيطاني نحو الحصة المحرمة، فصلّى في