بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٨٩ - *- التنبيه التاسع هو فيما إذا فرض كون الحرمة ساقطة أو مترقبة السقوط بقطع النظر عن الأمر
الماء لأجل الوضوء كان صعبا على العبد، فالله تعالى يلاحظ هنا مصلحة العبد، فإنّ مصلحة الوضوء المتوقفة على تحصيل الماء، ألزم للعبد من المفسدة و المشقة الناشئة من تحصيل الماء، فحينئذ يأمره بتحصيل الماء، و لا يكون أيّ امتنان في رفع وجوب الوضوء، بل الامتنان في إلزامه به.
و إن فرض أنّ مفسدة طلب الماء أكبر من مصلحة الوضوء، فحينئذ تندكّ هذه المصلحة في المفسدة، و بعد الكسر و الانكسار، تنعدم تلك المصلحة، فلا يبقى حينئذ أيّ مقتض للأمر أصلا.
و إن فرض تساوي المصلحة و المفسدة، فلا مقتض للأمر، و لا للنّهي حينئذ بعد الكسر و الانكسار، و عليه: فلا يكون رفع الحكم في مورد الاضطرار كاشفا عن وجود ملاكه و مقتضاه كما ذكر.
إذن، فالامتنان لا يرجع إلى ما ذكر، بل معناه إنّ الشريعة شريعة سمحاء، و هي دائما تلحظ مصالح العباد، و تقدم الأهم على المهم، امتنانا على العباد، و شفقة عليهم.
و أمّا بطلان الأمر الثاني بتقريبيه، فحاصله: إنّه لو سلّم كون حديث رفع الاضطرار كاشفا عن وجود ملاك الحرمة في مادة الاجتماع، إلّا أنّه لا دلالة في حديث الرفع على أنّ هذا الملاك يؤثر في المبغوضيّة، ليمنع من التقرّب، كما جاء في التقريب الأول لهذا الأمر، و لا يكون منافيا لمبادئ الأمر كما جاء في التقريب الثاني له، هذا أولا.
و ثانيا هو: إنّه لو سلّم أنّ ملاك الحرمة الذي يكشف حديث الرفع عن وجوده، يؤثر في المبغوضية الفعلية.
إلّا أنّ هذا لا يمنع من التقرب به، لأنّ ميزان التقرب نحو المولى، هو أن يكون حال المولى مع هذا الفعل المتقرّب به، أحسن من حاله مع فعل آخر.
و عليه: فإذا كان المكلف مضطرا لإراقة الماء، سواء على أعضاء