بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٣ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
و أمّا إذا بنينا على مسلك الميرزا (قده) في تفسير الوجوب و الاستحباب، و قلنا بأنّهما من تبعات حكم العقل، حينئذ يكون من الواضح، أنّ الوجوب بعنوانه، و إن لم يكن مجعولا استقلاليا للشارع، لكنه مجعول بالتّبع، لأنّ الوجوب مركّب من جزءين: وجودي و عدمي: و الجزء الوجودي هو الطلب، و الجزء العدمي: هو عدم الإذن بالمخالفة، و كلاهما شأن المولى، و من مجموعهما ينتزع العقل عنوان الوجوب، إذن حيث أنّ منشأ الانتزاع هذا مربوط بالمولى بكلا جزءيه، إذن فيكون الوجوب مجعولا بالتّبع، و لذلك لا إشكال و لا استهجان فيما لو ورد نص شرعي في رفع وجوب صلاة الليل، باعتبار أنّ الالتزام و الوجوب بيد الشارع. إذن فالوجوب قابل للنسخ بلحاظ كل واحد من جزءيه، فقد ينسخ بلحاظ الجزء الوجودي، و قد ينسخ بلحاظ الجزء العدمي، و ذلك بأن يتبدل عدم الترخيص بالترخيص، و كلاهما نسخ للوجوب.
فنسخ الوجوب أمر عرفي، و حينئذ بناء عليه يقال: بأنّ دليل الناسخ قد فرضنا أنّه لا يستفاد منه أكثر من نسخ الوجوب، و هذا معناه: إنّ غاية ما يكشف عنه هذا الكلام هو رفع الجزء الثاني أي: الجزء العدمي من منشأ انتزاع الوجوب، و هو عدم الترخيص بالترك، أمّا الجزء الوجودي من منشأ الانتزاع، فلا يعلم برفع اليد عنه، و عليه، فنتمسك بدليل المنسوخ لإثبات الجزء الأول الوجودي لمنشا انتزاع الوجوب.
نعم بناء على هذا يكون إثبات الجواز بالمدلول المطابقي للدليل المنسوخ، كما مر عليك في التقريب الثالث، و لا يكون إثباته بالمدلول التضمّني، ذلك لأنّ عدم الترخيص في الترك، ليس مدلولا للأمر، و عليه، فلا تكون المسألة متفرّعة على المسألة الفلسفية بلحاظ مدلول الدليل، إذ مدلول الدليل ليس أكثر من الاعتبار عند السيد الخوئي (قده) كما عرفت.
و إن كان بلحاظ مبادئ الحكم- حتى لو كان محض الاعتبار- من الحب و الإرادة و الشوق، تكون المسألة صغرى لكبرى المسألة الفلسفية،