بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠٧ - *- التنبيه التاسع هو فيما إذا فرض كون الحرمة ساقطة أو مترقبة السقوط بقطع النظر عن الأمر
٢- القسم الثاني، هو: كذلك، بأنّ يكون للمقدمة فردين: أحدهما مباح، و الآخر محرّم، إلّا أنّ المقدمة انحصرت بالفرد المحرّم، لا بسوء اختيار المكلّف، كما لو انحصر إنقاذ الغريق بالمشي في الأرض المغصوبة، لا بسوء اختيار المكلف.
و في مثل ذلك، يقع التزاحم بين دليل حرمة هذه المقدمة، و بين دليل وجوب إنقاذ الغريق، حيث لا يمكن بقاء المقدمة على حرمتها، و الإنقاذ على وجوبه، و بعد تطبيق قواعد التزاحم، يقدم وجوب الإنقاذ، لأنّه أهم بنظر المولى، و حينئذ يسقط خطاب حرمة المقدمة، و هو خطاب حرمة الغصب، و بذلك تزول حرمة المقدمة، و حينئذ يسري الوجوب الغيري إليها، بناء على الملازمة.
٣- القسم الثالث: هو: ما إذا كان للمقدمة فردين: أحدهما محرم، و الآخر مباح، و انحصرت المقدمة بالفرد المحرم بسوء اختيار المكلّف، كما هو محل كلامنا.
ففي مثله، لا تتصف هذه المقدمة بالوجوب الغيريّ، حتى بناء على الملازمة، لأنّ هذه المقدمة محرمة حرمة نفسيّة، و هذه الحرمة لم تسقط كما كانت تسقط في القسم الثاني، فإنّ سقوطها في القسم الثاني، إنّما هو باعتبار التزاحم كما عرفت.
و أمّا هنا فلا تزاحم بين النّهي عن المقدمة، و بين وجوب ذي المقدمة، لأنّ هذا النّهي، و إن سقط بعد انحصار المقدميّة بهذه المقدمة المحرمة، فالنّهي هنا استنفذ غرضه، كما عرفت سابقا، فيسقط، إلّا أنّ سقوطه سقوط عصياني.
و عليه: فلا يكون هذا النّهي مزاحما لوجوب ذي المقدمة، لأنّه قبل سقوط هذا النّهي، لم يكن هذا الفرد مقدمة بنظر الشارع، كي يزاحمه وجوب ذي المقدمة، و بعد أن أصبح هذا الفرد مقدمة، سقط النّهي عنه، و بعد سقوطه، لا يتصور مزاحمته، لوجوب ذي المقدمة.