بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٣٩ - مفهوم الاستثناء
و إذا عرفت ثبوت المفهوم للاستثناء، فإذا ورد «أكرم العلماء إلّا الفسّاق»، و ورد، «إذا زارك العالم الفاسق فأكرمه»، فحينئذ، يقع التعارض بين مفهوم الدليل الأول، و منطوق الدليل الثاني، و لا بدّ حينئذ، إمّا من الجمع العرفي إن أمكن، و إلّا، فتطبيق قواعد التعارض.
و أمّا لو فرض انّه ورد، «أكرم كل عالم إلّا الفسّاق»، و ورد «أكرم الفاسق الفقير»، و فرضنا وجود إنسان عالم فقير فاسق، ففي مثله، لا يتعارض الدليلان، و الوجه فيه واضح، فإنّ طبيعي وجوب الإكرام الذي نفيناه عن الفسّاق في الجملة الأولى بمقتضى المفهوم، إنّما هو طبيعي وجوب الإكرام الثابت للعالم و الذي يكون للعلم مدخليّة فيه، و أمّا الوجوب الذي ليس للعلم مدخليّة فيه، فلا ينفى عن الفاسق، و المفروض انّ الوجوب الذي ثبت في الدليل الثاني، إنّما ثبت لعنوان الفقير، و مثله لا مانع من شموله للفاسق الفقير، لأنّ مثل هذا الوجوب لم يكن داخلا في المستثنى منه لينفى بمفهوم الاستثناء.
و إن شئت قلت: ان المفهوم المدّعى في الاستثناء إنما هو انتفاء طبيعي الحكم الثابت لعنوان المستثنى منه في المستثنى فلا ينافي مع ثبوت حكم مماثل له بعنوان آخر غير عنوان المستثنى منه، كما لو قال: «أكرم الفاسق الفقير»، فإنه لا يتعارض مع مفهوم اكرم كلّ العلماء إلّا الفسّاق، لأنّ طرف النسبة الاستثنائية التامة إنّما هو وجوب إكرام العالم، و هو لا يصدق على وجوب إكرام الفقير.
و الخلاصة: هي، انّ المستثنى منه هو، عنوان العلماء بما هو موضوع للحكم بوجوب الإكرام، و أمّا الفقير الذي هو موضوع آخر لوجوب الإكرام، فلم يستثن منه شيء.
نعم لو ثبت حكم بوجوب الإكرام على فاسق عالم مع دخل علمه في الموضوعيّة و لو بنحو جزء الموضوع، حينئذ يكون معارضا مع مفهوم الاستثناء، لأنّه خلف الاستثناء من العلماء بما هو موضوع لوجوب الإكرام.