بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٨ - الجهة الثانية هي أنه هل يستفاد من صيغة النهي الانحلال و تعدّد الحكم
(قده)، إذ ليس الميزان الفني في استفادة البدلية أو الشمولية، هو عدم معقوليّة الآخر.
و ذلك ببرهان، أنه في كثير من الموارد يكون كل من الشموليّة و البدليّة معقولا، و رغم ذلك، لا شك أنّ الفهم العرفي يقتضي تعيين واحد منهما، و ذلك كما في موضوعات الأوامر، دون متعلقاتها. فمثلا حينما يقول:
«أكرم العالم»، فإنّه بالنسبة إلى الموضوع، و هو العالم، لا إشكال في كون الإطلاق فيه شموليا، و الحكم فيه ثابت لكل فرد من أفراد طبيعة العالم، مع أنه لا إشكال و لا لغوية في كون الإطلاق بدليا بمعنى أنّه لا يجب إكرامه بكل أشكال الإكرام، أو إنه يجب إكرام عالم «ما» فقط، و إن كان الإطلاق بجانب العالم شموليا. إذن فكل من الشموليّة و البدلية معقوليّته على حد واحد.
ففرق، بين أكرم «العالم أو العلماء، أو عالما».
أمّا حين يقول «العالم أو العلماء»، هنا نستفيد الإطلاق الشمولي، فينحل إلى عدد العلماء.
فمثلا، كلمة مسجد، في قوله «طهّر المسجد»، إطلاقها شمولي، بينما بحسب مقام الثبوت، الشموليّة و البدلية فيها، كلاهما معقول، إذ يعقل أن يأمر بتطهير مسجد واحد لا بعينه، كما يمكنه أن يأمر بتطهير جميع المساجد.
فاستفادة الشمول هنا، لم تكن باعتبار أداة العموم، بل بحسب الإطلاق و مقدمات الحكمة، و مع هذا ثبت أنّه إطلاق شمولي، و إن كان الإطلاق البدلي معقولا أيضا.
و هذا يبرهن على أنّه وراء استحالة البدليّة في مورد أو الشموليّة في مورد آخر، نكتة، هي التي تقتضي أن يكون الكلام شموليا أو يكون بدليا.