بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠١ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
و أمّا الثالث: فهو غير صحيح أيضا، لأنّنا نرى أنّ الوجوب مدلول للّفظ لا للعقل.
و عليه، فالصحيح إنّه لا يمكن إثبات الجواز، لا بالمعنى الأعم و لا بالمعنى الأخص، فيما إذا نسخ الوجوب، لا بدليل الناسخ، و لا بدليل المنسوخ، إلّا إذا فرضت عناية زائدة في دليل الناسخ.
و الخلاصة هي: إنّ هذه التقريبات الثلاثة المتقدمة لإثبات الجواز، بعد نسخ الوجوب، تمسكا تارة بالدلالة الالتزاميّة، و أخرى بالدلالة التضمنيّة، و ثالثة بالدلالة المطابقيّة، بدعوى أنّ الدلالة المطابقية لم تنثلم أصلا بناء على مسلك الميرزا (قده) في تفسير الوجوب و الاستحباب، تبيّن أنّه لم يتم شيء منها.
و على ضوء ما تقدم نعرف حال الكلام الذي ذكره المشهور في المسألة، من كونها مبنيّة على الخلاف في مسألة فلسفيّة معروفة، و هي إنّ الجنس هل يبقى بعد زوال الفصل، أو إنّه يزول بزوال الفصل؟.
بمعنى أنّه إذا قيل: بأنّ الجنس يزول بزوال الفصل، فهنا الوجوب له جنس، و هو الجواز، و له فصل، و هو حيثيّة الإلزام، أي: المنع من الترك، فالجواز بالمعنى الأعم، أي: «الجنس»، يزول بزوال حيثيّة الإلزام، التي هي المنع من الترك الذي هو «الفصل»، إذ معه لا يثبت الجواز بدليل المنسوخ.
و أمّا إذا قلنا ببقاء الجنس، حتى بعد زوال الفصل، حينئذ يثبت الجنس أي: الجواز بالمعنى الأعم حتى بعد نسخ الوجوب.
و يمكن أن يستفاد من هذا الكلام في مساعدة التقريب الثاني من التقريبات الثلاثة المتقدمة، و هو في التمسك بالمدلول التضمّني لدليل الوجوب المنسوخ، إلّا أنّ هذه الاستفادة مبنيّة على إمكان بقاء الجنس، و لو في ضمن فصل آخر.