بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٣ - الصيغة الثالثة من صيغ الفرض الأول، هي أن نتصور ما تصوّره المحقق الأصفهاني
أخرى، فينتزع العقل الوجوب و الإلزام أو عدمه، و من أنّ المجعول من قبل الشارع إنّما هو الطلب فقط.
بناء على مذهب المحقق النائيني (قده) هذا، تكون هذه الفرضيّة الأولى في تفسير الوجوب الكفائي، معقولة و مستوفية لكل خصائصه المتقدمة، و ذلك، إذا افترضنا أنّ غاية ما يترقب صدوره من المولى هو صدور الطلب، و قد صدر، غايته أنّه باعتبار مصلحة التسهيل و الإرفاق، رخّص لكل من المكلّفين في مخالفة الطلب، ترخيصا مشروطا بعدم ترك الآخر، و هذا وسط بين الاستحباب و الوجوب العيني.
إذن فالوجوب الكفائي وسط، فيطلب من كلا المكلّفين، و يرخّص لكل منهما على تقدير عدم ترك الآخر.
و حينئذ، إذا أتى المكلّف بهذا الفعل، فقد امتثل، فإذا فرض أنّ أحدهما فقط قام بالواجب، فقد امتثل أيضا، إذ إنّ الآخر مرخّص له بالترك، و إذا لم يأت أحد منهما بالواجب أصلا، فيعاقبان، لأنّ كلا منهما كان الواجب مطلوبا منه، غايته أنّه مشروط بعدم إتيان الآخر به، و المفروض أنّ الآخر لم يأت به، و الأول لم يأت به، إذن فقد عصيا معا.
أو فقل: إنّ هذه الصيغة وافية بجميع خصائص الوجوب الكفائي المتقدمة، إذ لو جاء أحد المكلّفين بالواجب، أمكن للآخر تركه، لأنّه مرخّص له بالترك في حال مجيء الآخر به، و إلّا فلو عصيا معا، و لم يأتيا معا بالفعل، فيعاقبان معا، لأنّ الطلب فعليّ في حقهما، و إن قاما كلاهما بالفعل، كانا ممتثلين للطلب، و إن كان أحدهما يصح له ترك الفعل عند قيام الآخر به.
بل بناء على هذا، يمكن الاستغناء في الكفائي و في الواجب التخييري عن افتراض مصلحة ثالثة للترخيص هي مصلحة التسهيل و الإرفاق، على أنها ملاك برأسه يزاحم كلا الطلبين.