بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٥ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
الأقسام، أو أنّه يختص ببعضها، إنّما هذا مرهون بتشخيص الملاكات المذكورة للاقتضاء.
و عليه: فلا بدّ من البحث عن هذه الملاكات التي يدّعى كونها ملاكات للاقتضاء، و هذا ما سوف نذكره في الأمر الثالث.
٣- الأمر الثالث: في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها:
١- الملاك الأول، و حاصله هو: إنّ النواهي تابعة للمفاسد، فإذا تعلّق النّهي بعبادة، فيكون كاشفا، «إنّا»، عن ثبوت مفسدة في تلك العبادة، و بما أنّ المفسدة و المصلحة من الأوصاف المتنافية التي لا يمكن اجتماعها، فحينئذ، يكون النّهي الكاشف عن وجود مفسدة، كاشفا عن عدم وجود مصلحة في العبادة المنهي عنها، و إذا لم يكن في العبادة مصلحة، فلا تكون واجدة للملاك، و معه لا تقع مجزية، و هذا هو المطلوب.
و بهذا يثبت، إنّ النّهي يقتضي عدم الإجزاء، و هذا هو مقصودنا بالفساد في عنوان المسألة.
و لا يخفى أنّ هذا الملاك يثبت بطلان العبادة باللحاظ الثاني الذي أشير إليه، أي: بسبب قصور العبادة الذاتي عن الإجزاء، باعتبار أنّها فقدت ملاكها بالنّهي عنها.
و يتفرع على ذلك، إنّ المانع من الصحة و الإجزاء، إنّما هو النّهي بوجوده الواقعي، و إن لم يكن واصلا للمكلف، لأنّ ملاك عدم الإجزاء، هو استكشاف عدم المصلحة، و عدم المصلحة تابع لثبوت النّهي واقعا.
و عليه: ففي صورة الشك في وجود الحرمة، إن قام دليل اجتهاديّ على ثبوتها، فيكون هذا الدليل دالا بالالتزام على بطلان تلك العبادة المحرمة، و أمّا مع عدم الدليل، فتجري البراءة.
و بذلك تثبت صحة العبادة لكن ظاهرا، و أمّا واقعا، فإنّ الصحة و الفساد تابعان لعدم ثبوت الحرمة و ثبوتها واقعا.