بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٣ - ١- الدعوى الأولى مفادها إنّه يكفي في رفع غائلة التّضاد بين الحكمين، تعدد الوجود الذهني
إلى الماهيّة، و إنما يتمحض نظره بالوجود الذهني، و الوجود الذهني متعدّد.
إذن فهو في هذه الحالة يرى شيئين، إلّا أنّ هذا المرئي، المتعدّد لا يجدي في جواز الاجتماع، لأنّ الحب إنما يتعلق بالصورة الذهنية بالنظر التصوري لا التصديقي. و بالنظر التصوري سوف نرى شيئا واحدا، لأنّ الحب إنّما يتعلق بالوجود الذهني بما هو عين الموجود خارجا. و الحال إنّ الموجود خارجا إنما هو ماهيّة واحدة. إذن فبالنظر التصديقي نرى شيئين، لكن ذلك لا يجدي في جواز الاجتماع، و ذلك لعدم تعلق الحب بالصورة الذهنية المنظور إليها بالنظر التصديقي، و الصورة الذهنية بالنظر التصوري و إن تعلّق بها الحب، إلّا أنه بهذا النظر نرى شيئا واحدا لا شيئين، و معه لا يجوز الاجتماع. و عليه فلا ينبغي أن يجعل ميزان جواز الاجتماع هو تعدد الوجود الذهني مطلقا، بل الميزان هو تعدّده بالنظر التصوري، و قد عرفت أنه غير متعدّد بهذا النظر، و بذلك تبطل هذه الدعوى.
و إن شئت قلت: إنّ الوجودات الذهنية هي باللحاظ التصوري- الذي هو الحمل الأوّلي- هي عين الوجود الخارجي الملحوظ بها.
و الوجودات الذهنية هي باللحاظ و النظر التصديقي- الذي هو الحمل الشائع الصناعي- تكون مباينة للوجود الخارجي الملحوظ بها، و فاقدة لخصائصه و أحكامه، كما في الماء الموجود في الذهن، فإنّه بالنظر التصديقي صورة ذهنية للماء، دون أن يروي عطشا، أو يبرّد غليلا.
بينما هذا الوجود الذهني للماء بالنظر التصوري، يمكن أن نحمل عليه محموله بالحمل الأولي فنقول: هذا ماء سائل بارد بالطبع، و هو بهذا المنظار سوف يحب العطشان هذه الصورة الذهنية كما أنّ الحكم بمبادئه يتعلق بهذه الصورة الذهنية بحسب النظر التصوري، لا بالنظر التصديقي، لأنّه لا حقيقة له في مرحلة التصديق، لأنّه لا يوجد في الذهن ماء و لا سائل بارد بالطبع، و لذلك لا يكون مطلوبا و لا محبوبا في مرحلة التصديق، و إنّما المطلوب و المحبوب و المحرك نحو الخارج هو المنظور التصوري.