بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٦ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
١- التقريب الأول: و هو مبني على القول، بأنّ الدلالة الالتزامية غير تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، و عليه يقال: بأنّ دليل «تصدّق» له دلالتان: دلالة مطابقيّة، و هي وجوب الصدقة دائما، و دلالة التزامية على نفي حرمة الصدقة في كل زمان. و لكن بدليل النسخ المنفصل، سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة، و بقيت الدلالة الالتزاميّة على نفي الحرمة، و حينئذ فبناء على استقلالها في الحجيّة عند المشهور، يقال: حينئذ نتمسك بالدلالة الالتزاميّة لإثبات نفي الحرمة، و هو الجواز.
و قد أشكل على هذا التقريب بما حاصله، هو إنّ الدليل المنسوخ، «أي دليل وجوب الصدقة» له أربع دلالات التزاميّة، لا دلالة واحدة، و هذه الدلالات الأربعة هي: دلالة التزاميّة على نفي الحرمة، و دلالة التزاميّة على نفي الكراهة، و دلالة التزاميّة على نفي الاستحباب، و دلالة التزامية على نفي الإباحة بالمعنى الأخص.
و بعد نسخ الوجوب و انتفائه بالدليل الناسخ، يقع التعارض بين هذه الدلالات الالتزاميّة الأربعة، إذ لا يمكن التمسك بها، أو بكل واحدة منها، فتسقط جميعها بالمعارضة [١]، كما أنه لا دلالة لواحد من دليلي الناسخ و المنسوخ بإحدى الدلالات، على تعيين واحد من هذه الأحكام، إذ لا بدّ لتعيين واحد منها من دليل آخر.
و جواب هذا الإشكال، هو أن يقال: بأنّ الإباحة بالمعنى الأخص ليست مدلولا التزاميا لدليل الوجوب، لأنّها ليست إلّا سلب الأحكام الاقتضائية الأربعة التي هي: الوجوب، و الحرمة، و الاستحباب، و الكراهة، و ليست الإباحة أمرا وجوديا، إذن نفس الإباحة معناه أنّها نقيض هذه الأحكام الأربعة، إذن فدليل الوجوب المنسوخ يدل بالمطابقة على ذلك، و ينفي الإباحة بنفسه، إذن ليست الإباحة مدلولا التزاميا لدليل الوجوب، إذ
[١] كفاية الأصول- مشكيني: ج ١ ص ٢٢٤.