بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٢ - ١- الدعوى الأولى مفادها إنّه يكفي في رفع غائلة التّضاد بين الحكمين، تعدد الوجود الذهني
و حينئذ يكون تعدّد الوجود الذهني لمتعلق الأمر و النّهي رافعا لمحذور التّضاد، فيجوز الاجتماع.
و لا يخفى أنّ هذه الدعوى لو تمّت لاقتضت جواز الاجتماع في صورة تعدّد الوجود الذهني لمتعلّق الأمر و النهي، حتى و لو كان العنوان واحدا.
و من هنا كانت هذه الدعوى. دعوى متطرفة في الجواز.
إلّا أنّ هذه الدعوى غير صحيحة، فأنّ الأحكام، و إن كانت متعلقة و عارضة على الوجودات الذهنية، إلّا أنّه مع ذلك لا تتم هذه الدعوى.
و توضيح ذلك، هو: إنّ الوجودات الذهنية في نفس المولى لها اعتباران و لحاظان:
أحدهما: لحاظ بالحمل الأولي، و هو لحاظ تصوري.
و الثاني: لحاظ بالحمل الشائع، و هو لحاظ تصديقي، فمثلا العطشان حينما يحب الماء، فإن حبّه هذا إنما يكون قائما بالصورة الذهنية للماء، لا بالوجود الخارجي له، إذ قد لا يكون له وجود خارجي أصلا.
و هذه الصورة الذهنية التي تعلق بها الحب:
تارة ينظر إليها بالنظر التصديقي فنحمل عليها محمولاتها بالحمل الشائع، فيقال: هذه صورة ذهنية للماء لا تروي من العطش و لا تبرّد الغليل، و بهذا النظر سوف لن يحب العطشان هذه الصورة الذهنية للماء.
و أخرى ينظر إلى هذه الصورة الذهنية بالنظر التصوري، فنحمل عليها محمولاتها بالحمل الأوّلي فنقول: هذا ماء سائل بارد بالطبع. و بهذا المنظار سوف يحب العطشان هذه الصورة الذهنية، إلّا أنّ هذا نظر تصوري لا حقيقة له في مرحلة التصديق، لأنه لا يوجد في الذهن ماء سائل بارد بالطبع.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا تحقّق في الذهن وجودان لماهيّة واحدة، فبالنظر التصديقي نرى شيئين لا شيئا واحدا، إذ إنّ النظر التصديقي لا ينظر