بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٨ - ٢- الاعتراض الثاني، هو إنّ هذا التفسير يرجع الوجوب التخييري إلى تحصيل الحاصل
و إن شئت قلت: بأنّه يمكن دفع الاعتراض الثالث، بأن يقال: بأنّ متعلق الوجوب هو ليس ما يختاره المكلّف بالفعل، و إنما متعلق الوجوب هو ما يؤثره و يفضّله المكلّف من البدائل، إذا شاء أن يختار أحدها في حالة لا بدّ له فيها من الاختيار، و حينئذ يكون وجوب ما آثره المكلّف و فضّله منوطا بتفضيل ما فضّله على بديله، و ليس منوطا باختياره فعلا، و حينئذ يكون من يرجح المفضّل على بديله، ملزما بهذا البديل المفضّل، و هذا محفوظ حتى في فرض العصيان كما عرفت، و حينئذ لا يلزم من هذا تحصيل الحاصل.
نعم لو فرضنا حالة، فقد فيها المكلّف كل ترجيح لأحد البدائل على الآخر، بل لو فرضنا وقوع هكذا حالة خارجا، كطريقي الهارب، و رغيفيّ الجائع، فإنّه حينئذ- حتى لو بنينا على إمكان الترجيح بلا مرجح في الأفعال الاختياريّة،- فإنّه لا يوجد أيّ تعيّن أو تقرّر لمتعلق الوجوب.
و هذا رغم كونه معقول ثبوتا، و إن لم يقع إثباتا، إلّا أنّه لا يمنع عن كونه تكليفا عقلائيا.
و قد عرفت بأنّ هذا الجواب، هو أيضا جواب على الاعتراض الثاني، كما مرّ.
الاعتراض الرابع، هو: إنّ محاولة تفسير الوجوب التخييريّ كما عرضت، خلاف ظاهر دليل الواجب التخييريّ، إذ ظاهر دليله إثباتا، إنّ التكليف واقف بين البدائل كلها على مسافة واحدة، و ليس الوجوب هو خصوص ما يختاره المكلف فقط.
و هذا الاعتراض منهجيّته غير صحيحة، لأنّ صاحب محاولة تفسير الوجوب التخييريّ، إنّما يفسره بهذه الصورة على أساس أنّه من الحقائق التشريعيّة المعروفة في المجتمعات العقلائيّة، و المركوزة في أذهان العقلاء و وجداناتهم.