بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥ - * المعنى الثالث للقدرة الشرعية، هو أن يكون ملاك الخطاب الثاني متقوما، ليس بالقدرة التكوينية فقط، و لا بمجموع القيدين، بل يكون ملاك الثاني موقوفا على عدم وجود مانع شرعي من قبل المولى
ما إذا كان الاشتغال بواجب غير مشروط بالقدرة الشرعية، أي: فعليّة الملاك حين الاشتغال بهذا الخطاب، و أما لو اشتغل بهذا الواجب حال كون ملاك الضد الواجب الآخر غير فعلي، فلا برهان عقلا يقتضي تقييد إطلاق الخطاب بعدم الاشتغال به، كما عرفت سابقا في تحقيق صياغة المقيّد اللّبي، بل يكون إطلاق الخطاب بنفسه مقتضيا لثبوت الحكم، خطابا و ملاكا، حتى لو اشتغل بالواجب الآخر.
و حينئذ بضم هاتين المقدمتين، إحداهما إلى الأخرى، يثبت الترجيح إذ يحرز بهاتين المقدمتين كون القدرة في الخطاب المشروط بحسب دليله، كونها شرعية، و في الخطاب المطلق بحسب دليله، كونها قدرة عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط، فيكون دليله و ملاكه راجحا و واردا على ملاكه و دليله.
فإن قيل: بأنّه من المحتمل أن يكون الخطاب المقيّد بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب آخر، أن يكون مختلفا حاله بقياسه من واجب إلى واجب، كأن يكون بالقياس إلى الواجبات المشروطة بالقدرة الشرعية تكون القدرة فيه شرعية أيضا، و لهذا لم يكن مزاحما معها، و يكون بالقياس إلى الواجبات الأخرى المشروطة بالقدرة العقلية، تكون القدرة فيه عقلية، و إنما لم يزاحمها، لعدم رجحان ملاكه على ملاكها.
فإنه يقال: بأنّ هذا خلاف ما تقدم من استظهار كون التقييد بنحو القضية الحقيقية بالنسبة إلى كل واجب يمكن افتراضه، إذ استظهار كون التقييد هكذا بالنسبة إلى أيّ واجب يفترض، يقتضي أن تكون القدرة فيه شرعية مطلقا.
٣- البيان الثالث و هو: يتوقف على مقدمتين أيضا:
أ- المقدمة الأولى هي: عبارة عن نفس المقدمة الثانية التي تقدمت في البيان السابق، و هي دعوى إمكان إحراز كون القدرة في الخطاب المطلق عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط.