بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧ - * المعنى الثالث للقدرة الشرعية، هو أن يكون ملاك الخطاب الثاني متقوما، ليس بالقدرة التكوينية فقط، و لا بمجموع القيدين، بل يكون ملاك الثاني موقوفا على عدم وجود مانع شرعي من قبل المولى
بعدم الاشتغال بضد واجب آخر، فيكون المقيّد اللبّي للخطاب المطلق، غير شامل لحال الاشتغال بالخطاب المشروط جزما.
ثم إنّ هناك بحثا آخر، و هو: إنّ ترجيح غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها. هل يشمل صورة ما إذا كان المشروط بالقدرة الشرعية، أهم ملاكا من غير المشروط بها، أم إنّه لا يشمل؟.
و الصحيح هو أن يقال: بأنّه إن كان المراد بالقدرة الشرعية المعنى الثالث منها، و هو عدم الأمر بالخلاف، تمّ هذا الترجيح مطلقا إذ يكون حينئذ الخطاب المرجوح ملاكا واردا بنفس فعليّته على الآخر، و رافعا لموضوعه، فلا يكون له ملاك أهمّ من الآخر و مقدما عليه.
و إن كان المراد بالقدرة الشرعية، القدرة الشرعية بالمعنى الثاني، فلا بدّ من التفصيل بين صورتين:
الصورة الأولى، هي: أن يكون الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، قد أبرز فيه هذا القيد بالتعبير العرفي المتقدم، و هو عدم الاشتغال بواجب آخر، و في هذه الصورة يكون مقتضى إطلاق التقييد، تقدم كل خطاب عليه، و لو كان ملاكه مرجوحا، كما عرفت بالبيانات السابقة، فيصح التعميم.
الصورة الثانية، هي: أن يكون الشرط المبرز على وزان المقيّد اللبّي المستتر، أي: عدم الاشتغال بواجب لا يقل عنه أهمية.
و في هذه الصورة غاية ما يستفاد من هذا الاشتراط، أنّ هذا الواجب لا يزاحم واجبا لا يقل عنه في الأهمية، لا مطلق الواجب، فالقدرة فيه شرعية بالقياس إلى ما لا يقل عنه في الأهميّة لا مطلقا، و المفروض أنّ الواجب المطلق، بحسب لسان دليله قد أحرز كون ملاكه مرجوحا بالنسبة إلى الواجب المشروط، فيكون الواجب المشروط فعليا، خطابا و ملاكا بمقتضى التمسك بإطلاق دليله، حال الاشتغال بالخطاب المطلق، فيتقدم المشروط عليه بالأهميّة لا محالة.