بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٣ - الجهة الثانية هي إنّه ما هو التكليف؟
الترتّب من تشخيص ما هو الميزان في تحقق العصيان، و صحة العقوبة.
حيث كانت النتيجة أنّه في موارد كون المأخوذ شرطا هو القدرة العقليّة سواء أ كان هناك خطاب واحد بالجامع، أو خطابين مشروطين، إذ إنّ أحد الملاكين في المقام فواته قهري على كل حال، و ليس بتفويت من المكلف.
و أما إذا كانت القدرة المأخوذة شرطا في الواجبين المتساويين المتزاحمين، قدرة شرعية، بمعنى أنّها دخيلة في الملاك، فإن كانت بمعنى وجود الملاك بمقدار وجود القدرة، بحيث أنّه كما لا يوجد إلّا قدرة واحدة على أحدهما، فكذلك لا يوجد ملاك إلّا في أحدهما، فأيضا لا يكون إلّا عقوبة واحدة سواء جعل الخطاب بنحو التخيير العقلي، أو الشرعي.
و إن كانت القدرة الشرعيّة بمعنى توقف الملاك على عدم الاشتغال بضد واجب آخر مساء، أو أهم، فهناك ملاكان فعليّان على تقدير تركهما معا، و هذا يعني أنّ المكلف كان يمكنه أن لا يفوّت على المولى شيئا من ملاكيه، فيما إذا أتى بأحدهما.
و بهذا يتعدّد العقاب لا محالة، و يكون التخيير عقليا.
و الخلاصة هي: إن المقياس في تعدّد العقوبة و وحدتها، ليس مربوطا بكون التخيير عقليا، أو شرعيا، و إنّما هو مربوط بدخل عدم الاشتغال بضد مزاحم في الملاك، هذا فيما إذا لم يكن الواجبين المتزاحمين مشروطين بالقدرة الشرعية، بمعنى عدم الأمر بالخلاف.
و أمّا فيما إذا اشترطا بالقدرة الشرعية؛ بمعنى عدم الأمر بالخلاف، فإن أريد به عدم المنافي اللّولائي، ففي فرض تساوي الخطابين، لا يمكن التمسك بإطلاق شيء من الدليلين، و ذلك لعدم تحقق الشرط المذكور، إذن فلا يثبت شيء من الحكمين، ما لم يضم العلم من الخارج بانحفاظ حكم في الجملة، كما لو كان هناك إجماع على ذلك، و حينئذ تكون شبهة حكمية يدور الأمر فيها بين التخيير و التعيين.