بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٩ - ٢- التقريب الثاني، هو أن نفرض التنافي في كل منهما بنحو يماثل التنافي في الآخر
حصول خسارتين و ألمين للمولى و ذلك لأن المولى لم يحصل على شيء منهما، رغم كون كلا الملاكين فعليا، و عليه، فيعاقب بعقابين، إذ كان هذا المكلف قادرا على عدم إيلام مولاه، لا جوعا، و لا عطشا، و ذلك بتقديم أحد الأمرين، فلو قدّم الأكل لشبع، و لما عطش، و لو قدّم الماء، لارتوى و لما جاع، و المفروض أنّه هنا لم يأكل و لم يشرب، إذن فكلتا الخسارتين مستندتان إلى المكلف و في مثله يستحق عقابين.
و أمّا إذا كان ترك كل منهما قد أخذ شرطا في وجود الملاك الآخر، حينئذ يكون ترك أحد الملاكين و وقوع إحدى الخسارتين ممّا لا مفرّ منه، بل هي واقعة على كل حال، و لا يقدر المكلف على دفعها، و إنّما يقدر على أن لا توجد الخسارة الثانية، إذا كان وقوع الأخرى ضروريا.
و حينئذ يقال: إنّه إن كان مناط الثواب و العقاب، هو دفع ألم المولى و خسارته، بحسب عالم الأغراض و الملاكات، إذن فلا موجب إلّا لاستحقاق عقاب واحد، لأنّ المكلف إنما كان قادرا على دفع خسارة واحدة لا بعينها من خسارتين.
و إن كان المناط هو مخالفة الإنشاء و الجعل بما هو إنشاء، بقطع النظر عن مبادئه من الأغراض و الملاكات، حينئذ، هنا مخالفتان لإنشاءين كان يمكن المكلّف منع تحققهما، بأن يأكل أو يشرب، و لكنه لم يأكل و لم يشرب، فحصلت الخسارتان بسببه، و في مثله، يستحق عقابين.
هذا، و من الواضح، إنّ الصحيح في مناط الثواب و العقاب إنّما هو مبادئ الحكم و ملاكه، لا جعله و إنشاؤه.
و من هنا، لا يفرق الحال في حجم العقاب و ترتّبه في المقام، سواء أبرز المولى ملاك حكمه بصيغة الإنشاء أو الإخبار.
و على ضوء ما تقدم، فالصحيح في موارد التضاد و التنافي الذاتي، أو التضاد الملاكي بين الواجبين، هو التفصيل، بين نحوين: أحدهما: فيما إذا