بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٦ - ٢- التقريب الثاني، هو أن نفرض التنافي في كل منهما بنحو يماثل التنافي في الآخر
٢- النحو الثاني، هو: أن يكون ترك الآخر مأخوذا في موضوع الأول، لكن لا باعتباره قيدا شرعيا، إذ كل منهما ذا ملاك في نفسه سواء ترك الآخر، أو لا، لكن لضيق الخناق، و لعجز المكلف عن الجمع بين الملاكين، يقيّد المولى بترك الآخر، لئلا يلزم طلب غير الممكن.
و الآن في النحو الأوّل، لو فرض أنّ المكلف خارجا، كان عنده «ماء» يمكن أن يشرب منه، «و طعام» يمكن أن يأكل منه، لكن لا يمكنه أن يجمع بينهما، ففي مثل ذلك، لو أنّ المكلف لم يأكل و لم يشرب، مع تمكّنه من أحد الأمرين، حينئذ سوف يحصل لدى المولى ألمان و خسارتان: «ألم الجوع، و ألم العطش»، و كلاهما بسبب المكلف، لأنّه كان قادرا على أن لا يؤلم المولى، لا جوعا و لا عطشا، و ذلك بتقديم أحد الأمرين، إذ لو قدّم الأكل لشبع و لما عطش، كذلك أصلا، و لو قدّم الماء لارتوى و لما جاع أبدا، إذن فكلتا الخسارتين مستندتان إلى العبد.
و في مثله يستحق عقابين.
و لا ينبغي أن يقال: بأنّه لا يمكن معاقبته بعقابين، لعدم تمكّنه من الجمع بينهما.
فإنّه يقال: نعم، هو صحيح أنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما، لكن كان يمكنه أن يتفادى كلتا الخسارتين، تارة بالإشباع، و أخرى بالارتواء.
و أمّا في النحو الثاني: فإنّنا ندرس الحالة في عالم الملاكات، بقطع النظر عن حالة التكليف، فنرى أنّ المكلف لو اطّلع على هذه الملاكات، و لم يأت، لا بالماء، و لا بالطعام، إلى مولاه، إذن فسوف يلاقي هذا المولى ألمين و خسارتين، لكن إحدى الخسارتين واقعة على كل حال دون أن يقدر المكلف على دفعها، و إنّما يقدر على أن لا توجد إحدى الخسارتين لا بعينها، بل بدلا.