الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٢٥ - الإشکال الثاني
الإشکال الثالث
قال بعض الأصولِیِّین: «يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحكم الواقعيّ الثابت للموضوع بما هو هو إلى ظرف الشكّ حتّى يحصل اليقين بخلافه، لا جرّ الحكم الظاهريّ الثابت للموضوع بما هو مشكوك الحكم، كما في المقام؛ مثلاً: إذا توضّأ الإنسان لصلاة الفجر يكون متوضّئ واقعاً، ثمّ شكّ بعد فترة في بقاء الطهارة، يحكم عليه بجرّ الطهارة الواقعيّة إلى ظرف الشك؛ فلو قلنا: بأنّ الصدر لبيان حكم مشكوك الطهارة و الحلّيّة، تكون الطهارة أو الحلّيّة المجعولتان طهارةً أو حلّيّةً ظاهريّةً؛ فلا يكون استمرارها استصحاباً. و كأنّه زعم أنّ كلّ استمرار استصحاب و غفل عن أنّ الاستصحاب عبارة عن إطالة الحكم الواقعيّ الذي تعلّق به اليقين إلى ظرف الشك».
و ثانياً: أنّ قاعدتي الطهارة و الحلّيّة كافيتان لإثبات الحكم الظاهريّ في الآنات المتلاحقة إلى أن يعلم خلافه و لا يحتاج إلى الاستصحاب أبداً. و ذلك لأنّ كلّ شيء يكفي صرف الشكّ في الحكم عليه بالطهارة و الحلّيّة، لغنيّ عن لحاظ الحالة السابقة و جرّها إلى الحالة اللاحقة. و هذه ضابطة كلّيّة في الفقه؛ لأنّ قاعدتي الطهارة و الحلّيّة أقلّ مئونةً و الاستصحاب أكثر مئونةً؛ لاحتياجه وراء الشكّ إلى لحاظ الحالة السابقة و جرّها.
و منه يعلم تقدّم قاعدة الاشتغال على استصحاب الاشتغال؛ فإذا شكّ قبيل الغروب (١)أنّه صلّى الظهر أو لا، فصرف الشكّ كافٍ في حكم العقل بالاشتغال؛ لأنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ و لا حاجة إلى استصحاب الاشتغال.
و ثالثاً: أنّ قوله علِیه السّلام : «طاهر» إذا كان من متمّمات القاعدة، يكون معناه محكوماً بالطهارة. و إذا كان راجعاً إلى الاستصحاب، يكون معناه أنّه مستمرّ في طهارته. و إطلاق اللفظ و إرادة المعنيين منه يحتاج إلى قرينة و هي مفقودة في المقام.
اللهمّ إلّا أن يقدّر هناك كلام بأن يقال: كلّ شيء طاهر (و هذه الطهارة مستمرّة) حتّى تعلم أنّه قذر. و هو كما ترى.
-------------
(١) . أي: قلِیل قبل الغروب. قُبِیل مصغّر قبل.