الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٠٦ - ردّ الإشکال
و بالجملة فلنا دعويان:
الأولى: عدم حجّيّة الظنّ عند العقلاء ما لم يبلغ درجة الاطمئنان، من غير فرق في ذلك بين المراتب و الأسباب و أنّه لا معنى لحجّيّة الغلبة بالخصوص إلّا بالتشريع و جعل الشارع.
الثانية: أنّ العمل بالأصل و الركون إليه ممّا استقرّت عليه طريقتهم و لا مناص لهم عن الركون إليه و إن ظنّوا بخلافه، وفاقاً لجميع من يعول على قوله من أهل الفن.
أمّا الأولى: فلأنّ ما عدى العلم جهل و كونه ظنّاً لا يخرجه عن الجهل، فلا معنى للاكتفاء به إلّا بالتنزيل؛ فإنّ أثر العلم لا يترتّب على غيره إلّا بالجعل، مع أنّ التعويل على الظنّ الناشي من الغلبة ممّا ليس له عند العقلاء عين و لا أثر. و كذا في الشرع. و ما يتوهّم أنّه من هذا القبيل فإنّما هو للجهل بحاله و عدم الاطّلاع على مناطه.
و أمّا الثانية: فلأنّه لا إشكال في تعويل العقلاء قاطبةً على الأصول اللفظيّة. و لا إشكال في عدم دوران الإفادة و الاستفادة على الظنون الشخصيّة، بل لا يقدح الظنّ بالخلاف في التعويل عليها و الركون إليها، فيتّكلون على الأصل و إن كان احتمالاً موهوماً.
و ما ذكره من عدم العمل بالأصل في الموارد المذكورة، واضح الفساد؛ فهل يعذر الشخص في ترك الإنفاق على من يجب نفقته عليه، مع الشكّ في حياته أو ظنّ موته! كلّا ثمّ كلّا!. و ليت شعري ما ذا الذي دعاه إلى الحكم بتفصيل العقلاء بين الشكّ في رافعيّة المذي و بين الشكّ في النسخ، مع أنّهما من باب واحد. و لا يعهد من عاقل و لا عالم التفصيل بين أنواع المزيل، بل الكلّ مطبقون على العمل بالمقتضى مطلقاً.
و كيف يعقل أن يكون لاحتمال النسخ حكم خاصّ عند العقلاء غير مطبق على ضابط! فهل يتأمّل عاقل في استصحاب الحياة، مع الشكّ في كون مرض خاصّ أو سمّ مخصوص قاتلاً، أو هل يريب ذو مسكة في استصحاب اللزوم، مع الشكّ في كون شيء موجباً للخيار شرعاً! فما ظنّه بالعقلاء من عدم بنائهم في الشكّ في بقاء الحكم الشرعيّ من غير جهة النسخ على البقاء واضح الفساد. و قد عرفت دعوى الإجماع و الضرورة من بعضهم على عدم الاعتناء مطلقاً. و كيف يعقل أن يكون للحكم الشرعيّ خصوصيّة عند العقلاء من بين