الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٠٥ - ردّ الإشکال
إشکال في القول الأوّل
إنّ بناء العقلاء إنّما يسلم في موضع يحصل لهم الظنّ بالبقاء لأجل الغلبة؛ فإنّهم في أمورهم عاملون بالغلبة، سواء وافقت الحالة السابقة أو خالفتها. أ لا ترى أنّهم لا يكاتبون من عهدوه في حال لا يغلب فيه السلامة- فضلاً عن المهالك- إلّا على سبيل الاحتياط، لاحتمال الحياة و لا يرسلون إليه البضائع للتجارة و لا يجعلونه وصيّاً في الأموال أو قيّماً على الأطفال و لا يقلّدونه في هذا الحال إذا كان من أهل الاستدلال.
و تراهم لو شكّوا في بقاء الحكم الشرعيّ أو نسخه يبنون على البقاء و لو شكّوا في رافعيّة المذي شرعاً للطهارة فلا يبنون على عدمها. و بالجملة فالذي أظنّ أنّهم غير بانين في الشكّ في الحكم الشرعيّ- من غير جهة النسخ- على الاستصحاب.
نعم، الإنصاف أّنهم لو شكّوا في بقاء حكم شرعي، فليس عندهم كالشكّ في حدوثه في البناء على العدم. و لعلّ هذا من جهة عدم وجدان الدليل بعد الفحص، فإنّها أمارة على العدم لما علم من بناء الشارع على التبليغ، فظنّ عدم الورود يستلزم الظنّ بعدم الوجود و الكلام في اعتبار هذا الظنّ بمجرّده، من غير ضمّ حكم العقل بقبح التعبّد بما لا يعلم في باب أصل البراءة (١).
ردّ الإشکال
قال المحقّق الطهرانيّ رحمه الله: «إنّ العقلاء إنّما يعملون بالظنّ و لا يعتمدون على الغلبة. و لا معنى لتخصيصهم سبباً من الأسباب في الركون إلى الظنّ الحاصل منه. و أمّا الأصل، فلا إشكال في ركونهم إليه و اعتمادهم عليه؛ نعم، إنّما يعتمدون على الاطمئنان مطلقاً، حيث إنّ حجّيّته ذاتيّة اقتضائيّة لا على سبيل اللزوم، كالعلم.
-----------------
(١) . فرائد الأصول٢: ٥٨٢- ٥٨٣.