الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٢٩ - القول الثاني أنّها بصدد إفادة قاعدة الطهارة الظاهرة
الثانية: أنّ العرف إذا أعطيت بيده الغاية (حتّى تعلم) يؤخذ ضدّها (و هو الشكّ) في موضوع المغيّى؛ فيحكم بأنّ المغيّى في ما نحن فيه عبارة عن «كلّ شيء مشكوك»؛ أي: «كلّ شيء مشكوك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» أو «كلّ شيء طاهر ما دمت في شكّ حتّى تعلم أنّه قذر». و لا يخفى أنّ المأخوذ في موضوعه الشكّ حكم ظاهري، لا واقعي.
الثالثة: ظاهر التعبير ب «حتّى تعلم أنّه قذر» أنّه قد سبقه جعل حكم واقعيّ بالطهارة أو القذارة، ثمّ شكّ فيه؛ فلا يكون المقام إلّا مقام الحكم الظاهري.
هذه قرائن يندفع بها احتمال إرادة الحكم الواقعيّ و يثبت أنّ الظاهر هو جعل حكم ظاهري. و حينئذٍ يبقى الکلام في أنّ الظاهر من الحديث هل هو قاعدة الطهارة أو الظاهر منه استصحاب الطهارة؟ فنقول: الصحيح هو الأوّل؛ لأنّ معنى الاستصحاب يحتاج إلى ما يدلّ على استمرار الحالة السابقة و هو غير ظاهر في الحديث.
إن قلت: يدلّ عليه كلمة «حتّى»؛ لأنّها تدلّ على الاستمرار.
قلنا: هذا الاستمرار إنّما هو من جهة بقاء الحكم ببقاء موضوعه الثابت في جميع الموارد، لا الاستمرار الاستصحابي؛ فمعنى الحديث أنّ حكم الطهارة ثابت لمشكوك الطهارة ما دام مشكوكاً. و أين هذا من الاستصحاب!» (١).
ِیلاحظ علِیه، أوّلاً: قد سبق أنّ الشِیخ الأنصاريّ رحمه الله قال بأنّ قول المعصوم علِیه السّلام : «الماء کلّه طاهر حتِّی تعلم» بِیان للحکم الواقعي. و ذلك ِیؤِیّد أنّ العلم بالخلاف و العلم بالنجاسة ِیمکن أن ِیکون غاِیةً للحکم الظاهريّ و الواقعيّ معاً؛ فإنّ المفهوم من الآِیات و الرواِیات قد ِیکون أحکاماً واقعِیّةً و لکن بعد مدّة قد ِیحصل للمجتهد نظرِیّة أخرِی توجب الإعراض عن النظرِیّة الأولِی؛ فالحکم الواقعيّ مطابق للنظرِیّة الأولِی؛ ثمّ ِینتقل إلِی النظرِیّة الثانِیة. و ملاك الحکم الظاهري، الحکم المجعول من الشارع للشاكّ أو الجاهل و الحکم الواقعيّ بخلافه؛ فِیشمل کلّ الأحکام المستنبط من الآِیات و الرواِیات حتِّی ِیعلم بخلافها.
و ثانِیاً: أنّ الحکم الواقعيّ مغِیِّی بالعلم بالخلاف؛ فإنّ الطهارة الواقعِیّة مستمرّة حتِّی
--------------------
(١) . أنوار الأصول٣: ٣٠٨- ٣٠٩ (التلخِیص و التصرّف).