الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٣٣ - جواب عن السؤال الأصلي (هل الاستصحاب من الأصول العمليّة أو الأمارات؟)
صرّح رحمه الله في موضع آخر: «يكون التعبّد بالبقاء تعبّداً به للأمارة، لا للأصل العمليّ المجعول في ظرف الشك؛ فينقلب الاستصحاب أمارةً بعد كونه من الأصول العمليّة» (١).
کلام مهمّ من الإمام الخمِینيّ في المقام
قال رحمه الله: «هذا (٢) ما أدّى إليه نظري في سالف الزمان قبل الوصول إلى مباحث الاستصحاب و لقد جدّدت النظر حين انتهاء بحثنا إليه؛ فوجدت أنّه ليس أمارةً شرعيّةً، بل هو أصل تعبّدي؛ لأنّ عمدة ما أوقعنا في هذا التوهّم أمران:
أحدهما: توهّم أنّ اليقين السابق كاشف عن الواقع كشفاً ناقصاً في زمان الشك، فهو قابل للأماريّة؛ كسائر الكواشف عن الواقع.
و ثانيهما: توهّم أنّ العناية في اعتباره و جعله إنّما هي إلى هذه الجهة بحسب الروايات؛ فتكون روايات الاستصحاب بصدد إطالة عمر اليقين و إعطاء تماميّة الكشف له. و بعد إمعان النظر في بناء العقلاء و أخبار الباب ظهر بطلان المقدّمتين:
أمّا الأولى، فلأنّ اليقين لا يعقل أن يكون كاشفاً عن شيء في زمان زواله و المفروض أنّ زمان الشكّ زمان زوال اليقين، فكيف يمكن أن يكون كاشفاً عن الواقع في زمان الشك! نعم الكون السابق- فيما له اقتضاء البقاء- و إن يكشف كشفاً ناقصاً عن بقائه لكن لا يكون كشفه عنه أو الظنّ الحاصل منه بحيث يكون بناء العقلاء على العمل به من حيث هو من غير حصول اطمئنان و وثوق.
و أمّا الثانية، فلأنّ العناية في الروايات ليست إلى جهة الكشف و الطريقيّة- أي إلى أنّ الكون السابق كاشف عن البقاء- بل العناية إنّما هي إلى أنّ اليقين لكونه أمراً مبرماً لا ينبغي أن ينقض بالشكّ الذي ليس له إبرام؛ فلا محيص [عن القول بأنّ] الاستصحاب أصل تعبّديّ شرعي. و أمّا الاستصحاب العقلائي، فهو غير مفاد الروايات؛ بل هو عبارة عن الكون السابق الكاشف عن البقاء في زمن لا حق. إنّ بناء العقلاء ليس على ترتيب الآثار
-----------------------
(١) . مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات)٣: ٩٨.
(٢) . کون الاستصحاب أمارةً.