محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٢ - الخطبة الثانية
وهي أبوّة لا تستغني عن قدرات الآخرين، ولا تلغي وزنهم، ولا تستهين بأقدارهم، ولا تتعامل معهم باستخفاف، ولا يحكمها الشعور بالفوقية، ولا يعتريها شعور الاستعلاء والاستكبار الغاشم. ثم لك أن تتساءل: كيف يُطالب العلماء بتحمّل المسؤولية العامّة وهم معزولون ورأيهم معطّل؟! كيف ذاك والأمر لغيرهم عليهم؟! كيف ذاك ويُنكر عليهم أن يقولوا كلمة إلا ما وافقت هوى الكل؟! وخدمت المصالحة الخاصة لهذا الطرف بعينه وذاك الطرف بعينه؟! ٨ ولأن تكون للمجلس أبوّة صالحة نافعة متفانية، ولأن يكون مظلّة مشتركة عليه أن يكون للمصلح أنت مصلح ويشجّعه على إصلاحه، وللمفسد أنت مفسد وينصحه بالكفّ عن إفساده، وأن يحتضن هذا بما يناسب من الاحتضان، ويحتضن ذاك بما يناسب من الاحتضان، لكل موقف، ولكل كلمة ما يناسبها من ردّ فعل، وإن كان ردّ الفعل من العلماء دائما يجب أن يكون حانياً، ويجب أن يكون واعياً، ويجب أن يكون أبويّاً، لكنك مع أولادك القصّر وليس الراشدين والشعب رجالٌ ونساءٌ راشدون، لا تعامل المسيء معاملة المحسن، ولا تعامل المخطئ معاملة الصحيح. دعونا نذهب للأبوة الصادقة الأصيلة الكبيرة العملاقة الحانية الإلهية أبوّة رسول الله وعليّ عليهم السلام، إن عليّاً عليه السلام ليُشفق على الفاسق، ويتكلّم معه الكلمة الهادية المؤدّبة القاسية في ظاهرها لكنها من منطلق الرحمة، ومن منطلق الشفقة، يُعطي ردّ فعل خاصَّا لإحسان محسن، وردّ فعل خاصَّا لإساءة المسيء، وهو في كل ذلك ينطلق من منطلق واحد هو منطلق أبوّته للأمة كل الأمة، وشفقته على الإنسان كل إنسان. نعم، على المجلس أن يرفق بالضعيف، ويعينه على ضعفه، ويعطي للمخطئ فرصة التراجع عن خطئه، ويغضي عن السيئة ما أمكن، ويقدّر الحسنة بأحسن ما تُقدّر، ولا يتتبع العثرات، ولا يعيش أحقاد العداوات، وأن لا يخرجه خطأ الآخرين عن سمت الحق، وعن التزام خطّ الهدى. أما أن يُوزّع الابتسامات والقبلات على من صدق ومن كذب، ومن أحسن ومن أساء، ومن أصلح ومن أفسد على