محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٦ - الخطبة الأولى
لا شك أنّه في عمق إحساسنا وغزارة إحساسنا المادي، ولمعايشتنا المادة معايشةً دائمة بفكرنا وشعورنا تكون المصيبة المادية علينا أثقل بكثير. نفرٌ خاصٌّ هم الذين يشعرون بثقل المصيبة إذا مسّت دينهم، وأن الحياة تتحول إلى حياة خانقة في نظرهم إذا مُسّ شيء من دينهم.
المعصومون معروفون، نأتي إلى مستوى أبي ذر مثلًا، مستوى سلمان المحمدي، هذان الرجلان من قومٍ لا تعدل مصيبة الدنيا عندهم مصيبة الآخرة، ولا تقوم مصيبة بدن عندهم بإزاء مصيبة دين، إنهم يعيشون الروح أكثر مما يعيشون المادة، ويلتذّون بالروح أكثر مما يلتذّون بالمادة، ويشقون بفقد الروح أكثر مما يشقون بفقد المادة، إنهم نخبة ربّتهم تربية السماء وأيقظت فيهم الروح، ونبّهت فيهم الإنسانية، وأشعرتهم بغزارة أنهم هناك حيث الروح، حيث الدين، حيث التعلّق بالله، وليسوا هم هنا حيث المادة والتراب والطين.
يلتقي مع الكلمة السابقة عن أمير المؤمنين عليه السّلام جملة من النصوص والتي تركِّز على أن المصيبة الكبرى على خلاف ما تذهب إليه مشاعرنا وأنّها مصيبة الدين وليست مصيبة البدن.
تقول الكلمة عن الباقر عليه السلام:" لامصيبة كعدم العقل ٦، ولا عدم عقلٍ كقلّة اليقين ٧، ولا قلّة يقين كفقد الخوف ٨، ولا فقد خوف كقلّة الحزن على فقد الخوف ٩، ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب، ورضاك بالحالة الّتي أنت عليها" ١٠.
عود ثقاب يمس بذبالته الضئيلة إصبع أحدنا فيفزع، ويضجّ، أما الذّنب فيأخذ أثره السّيء في الروح فلا نشعر، هذا يعني أمرين: أن الإصبع تتمتّع بالحياة، وأن الروح تُعاني من حالة من السبات أو الموت.
" أعظم المصائب والشّقاء ألوله بالدّنيا" ١١.