محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٧ - الخطبة الأولى
واهمون أن يبلغوا همّتهم من دون أن يُنشِّطوا تفكيرهم، ومن دون أن يُسابقوا في العلم، ويجاهدوا على طريقه، فإن طريق العلم طريق موصل، وطريق الجهل طريق منقطع.
ومع الجهد الفكري لا بد من جهد عملي" مَن بذل جهد طاقته بلغ كنه إرادته" ١٣.
ونقف أمام هذه الكلمة المروية عن زين العابدين عليه السلام:" وهب لي جسماً روحانياً، وقلباً سماويّاً، وهمّة متّصلة بك، ويقيناً صادقاً في حبّك" ١٤.
الجسم من لحم ودم، فكيف يكون جسما روحانيا؟! ذلك حيث يكون الهدف الذي يكدُّ من أجله الجسم، ويجهَد من أجله الجسم هدفا إلهياً. الهدف الروحاني يجعل البدن بدناً روحانياً.
والقلب السماويُّ قلب معلق بالسماء بهدف السماء، بأخلاق السماء، بمنهج السماء، بقيم السماء. القلب الذي يعيش صاحبه في الأرض، ولكنه هو معلّق بالسماء بقيمها ومنهجها قلبٌ سماوي. البدن مع الناس، والقلب في الملأ الأعلى ذلك هو الإنسان الكامل.
و" همّة متصلة بك" أعلى الهمم هي همة تتصل بالله، تطلب رضوانه، تسعى للتقرّب إليه.
" ألحلم والأَناة توأَمان ينتجهما علوّ الهمّة" ١٥.
علو الهدف ووضوحه يعطيان الصبر على كثير من جهل الناس، على كثير من سفه الأوضاع، على كثير من كلمات وتصرّفات من الآخرين لا يتحمّلها إلا الكبار، فعلوّ الهمّة يتجاوز بك الوقوف عند كل الأهداف الصغيرة وعند كل الغايات القصيرة.
والأناة هنا أناة في تصميم، أناة عقل، وليست عن عجز في النفس، ولا غفلة، ولا تكاسل، إنما هي أناة التصميم، وأناة الحكمة، وأناة البصيرة.