محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧١ - الخطبة الأولى
فلا يرى نفسه، ولا يرى ربّه، ولا يعرف حجم دنياه، ولا يعرف وزن آخرته.
وما قيمة كل المعرفة وأنا لا أعرف نفسي، ما قيمة كل معلوماتي، وكل معارفي، وكل نباهتي، وكل ذكائي إذا كنت على شيء من ذلك، وأنا لا أعرف نفسي؟! ولا أعرف الذي بيده
أمري وعمري ووجودي وروحي ونَفَسي؟!
ما قيمة أن أكون مجمع معلومات كثيرة، وخزانة لمعارف جمّة، إلا أني لا أعرف كيف أقضي العمر في هذه الحياة، فأخسر العمر، ويذهب مني العمر ضياعاً، بل أكثر من ذلك أن أوظّف
العمر من أجل أن أكون وقوداً مع وقود النار؟!
هذا ما يفعله طبع القلب، عمى القلب. القلوب ترى وهذا القلب لا يرى، شمس الحقيقة طالعة وهو لا يرى منها شعاعاً، الكلمة تُحيي النفوس وتبعث الحياة في القلوب وهذا القلب لا
يعى منها شيئاً. قلب لم يعد يسمع موعظة إلا كما يسمعها الحيوان، وقلب لا يرى آية إلا كما يراها الحيوان، صحيح أن صاحب هذا القلب يكتشف حقائق كونية كثيرة وأسراراً دقيقة من أسرار الخلقة،
يحدّثه النبات بأسراره، وتحدثه خلقة الحيوان بأسرارها، تحدثه كل زاوية وكل خلية وكل ذرة في هذا الكون بما فيها من آثار عظمة الله، بما فيها من آثار عناية الله وحكمته تبارك وتعالى. قلب على
كثير من أسرار الكون إلا أنها لا تعلمه الحقيقة الكبرى، ولا يملك أن يراها ويبقى