محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٩ - الخطبة الأولى
من عيوب الناس إذا كانت لك نفس كبيرة فإنها لا تكون ثرثارة تنشره هنا أو هناك وهذا احتمال، وهذا عقل، وهذه حكمة، ووراء هذا الموقف نفس قوية.
النصف الآخر من العقل والحكمة والتدبر والضبط أن تتغافل عما يقال فيك من الناس. الأول احتمال لحفظ العيوب، واحتمال لما يقال عنك من عيب صادق أو كاذب بحيث تتصبر وتتصبر حتى لا تتسبب مواقفك المتشنّجة في إفساد علاقة كانت لله أو في التأثير على مصلحة اجتماعية تستطيع أن تساعد على حفظها، والتغافل خلق آخر كريم، وعقل آخر حصيف، فتتغافل حتى كأن الذي يتحدث فيك لا يتحدث فيك، وكأن الذي يشك فيك لا يشك فيك، وكأن الذي يكيد بك لا يكيد بك، وكأن الذي يبغضك لا يبغضك، تتعامل معه كمن يودّك، كمن يخلص لك، وكمن لا يكيد السعي لك، وليس معنى هذا أن تفرط بحقّ نفسك حتى الضرر، والسقوط في النّاس، وليس هذا من منطلق الضعف. أنت تكون القادر على الرد الكافي، وعلى الإفحام الكافي، وعلى المواجهة المسقطة للطرف الآخر لكنك تتعفف وتستعلي من أجل الله.
" خير إخوانك من عنّفك في طاعة الله سبحانه" ٣ إخوّة الإيمان لا تقوم على المجاملات الكاذبة الضارّة؛ لابد من مداراة، ولابد من تنازلات، ولابد من تفافل، لكن أن ترى أخاك يسقط شيئا فشيئا في شخصيته، يسعى به الشيطان حثيثا إلى المعصية وأنت تتفرج، فإنها الإخوة الكاذبة، وإنها الخيانة الواضحة، فإذا كنت تخلص لأخيك فأوّل ما يجب عليك أن تفعله في حقّه أن تنقذه من النار، وأن تأخذ به بعيدا عن الانهيار.
وإذا كان على أخي أن يعنّفني ويشتد عليّ ويواجهني بالكلمة الثقيلة إذا اقتضى الأمر في طاعة الله من أجل مصلحتي فعليّ أن أرتفع بمستواي إلى حد التقبّل، وحد الترحيب وحد الشكر ولكن أنّى لي أن أفعل ذلك؟!