محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٨ - الخطبة الأولى
نحن نعرف أن الاسلام يحرص على أخوة الإيمان، ويحرص على أن يتوسّع المسلم في الصحبة، وفي الصداقة، وحتى أن يتوسع في طلب التعرّف على الآخرين.
الاسلام ينفتح على الأخوة الصادقة، على الصداقة الحقيقة، على أن تصاحب الآخرين، على ان تعاشر الآخرين، على أن تعرف الآخرين، وكل ذلك إنما يطلبه الانسان المسلم لصلاحه وصلاح مجتمعه، ولكي تتسع دائرة اشعاعه، وحتى يستفيد بدرجة أكبر لصالح انسانيته.
لكن مع هذا فإن الاسلام يحذر من نوع من الناس،" لا ترغبنّ فيمن زهد فيك، ولا تزهدنّ فيمن رغب فيك" ٣. انسان يقبل عليك وأنت تدبر عنه، فإذا لم يكن عندك سبب قويّ وراء ذلك، ففي هذا التصرف شيء من جفاء، ومن سفه وفقد حكمة. آخر في المقابل كلما أقبلت عليه كلما أدبر، أنت تطلبه وهو منك في فرار، لماذا هذه الملاحقة له؟ لماذا هذا التعلق به؟ في التوكل على الله ما يكفي. وكأنه من فقد الثقة في الله أو من قلة في التدبُّر أن تطلب إخواناً من هذا النوع، وتلحّ على طلبهم.
" لا تواخ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره، فإذا استطبت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العسرة" ٤
الاسلام يرفض للانسان المسلم البساطة والسذاجة، والفجاجة، ومن كل ذلك ان ترتمي بكلك على واحد من الناس تعطيه كل ثقتك، وتدخل معه في مواخاة صادقة ضاربة في العمق من غير أن تختبره. الإختبار قبل الصداقة والأخوة، وتأتي الأخوة على قدر معرفتك بالآخرين. أما وقد عرفته، ودلّتك التجربة على أهليته للأخوة وعلى صلاحه، فلا تتتبّع منه كلّ عثرة، ولا تلاحق منه كلّ زلّة، وكن المخلص إليه كلّ الاخلاص.
احذر:-
عن الصادق عليه السلام:" احذر أن تواخيَ من أرادك لطمع أو خوف أو ميل أو للأكل والشرب، واطلب مواخاة الأتقياء وإن أفنيت عمرك في طلبهم" ٥
الأخوة القائمة على أغراض دنيوية أخوة سطحية كاذبة، وسريع ما يبيعك أخ طلبك لشيء من أشياء الدنيا وأمر من أمورها. يبيعك ويستغني عنك حال تنقضي حاجته، او حال ييئس من توفير ما طمع منك فيه. أمّا التقي العاقل الحكيم، فلك أن تطلبه كما في الحديث وإن أفنيت عمرك في طلبه.
فرق بين أخوين:-
أخ عشت أخوته ردحاً طويلا من الزمن، فخبرته وخبرك، ورضيت به ورضي بك، وبين أخ جديد، تجربتك معه لازالت طريّة، لم تتوغل في معرفة شخصيته إلى الحدّ المطلوب. هنا تقول الكلمة عن عليّ عليه